هذه النصوص وغيرها مما لم أورده تدل دلالة قاطعة على أنه لا يجوز لليهود والنصارى وغيرهم من الكفار أن يبقوا في جزيرة العرب وهي كما ترى في مكان من حيث الصحة والصراحة ووضوح المعنى والإحكام بحيث لا يمكن الطعن فيها بالتضعيف أو التأويل أو دعوى النسخ وذلك أنها مخرجة في الصحيحين وبعضها في المسند وبعضها في السنن وقد اتفق العلماء على أن ما اتفق على إخراجه البخاري ومسلم رحمهم الله أنه يفيد العلم اليقيني لأن الأمة تلقته بالقبول والتصديق فلا مجال للطعن فيما اتفق عليه البخاري ومسلم (1) ، وأما عدم جواز تأويلها فذلك لأجل صراحة ألفاظها ووضوحها وكونها نصًا في الموضوع لا يحتمل لفظها معنى غير المعنى الظاهر منها وما كان كذلك فلا يصح تأويله عند علماء الأصول وغيرهم من العلماء إنما الذي يجوز تأويله من النصوص هو الذي يكون لفظه محتملًا لمعنيين فيرجح أحدهما لأجل قرينة تحف به (2) ، أما كونها محكمة وغير قابلة للنسخ فلأجل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر وأوصى بإخراجهم من جزيرة العرب في آخر حياته كما روى الإمام أحمد عن عائشة أنها قالت:"كان آخر ما عهد به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يترك بجزيرة العرب دينان" (3) . وكما قال الإمام مالك رحمه الله في الموطأ:"أنه سمع عمر يقول:"كان آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقين دينان بأرض العرب" (4) . فإذا كان الأمر كذلك فدعوى النسخ غير واردة لمعرفة تأخر تأريخ تكلمه صلى الله عليه وسلم بذلك، وأيضًا فعمر بن"
(1) انظر: تيسير مصطلح الحديث ص43.
(2) انظر: نثر الورود شرح مراقي السعود، شرح الشيخ محمد الأمين الشنقيطي 1/329.
(3) رواه أحمد 10/144 بسند صحيح وانظر ص 24.
(4) رواه مالك في الموطأ من كتاب الجامع مرسلًا تنوير الحوالك 3/88، ويشهد له الحديث الذي قبله وقد سبق تخريجه ص24.