الصفحة 10 من 44

واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 -قوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) } (65) . وجه الدلالة: لكل إنسان زمن قد علمه الله، ووقت قد قدّره قبل أن يخلق الخلق، فلو حرص الخلق على تقليل أيام المرض وزمن الداء، أو على تكثير أيام الصحة ما قدروا على ذلك (66) .

2 -إنّ الرّقية قادحة في التوكّل، فإنّ من صفات السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنّة بغير حساب ما جاء في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( هم الذين لا يتطيّرون(67) ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكّلون )) (68) .

وأجيب عن ذلك أنّ هذه صفات الأولياء والخواص المعرضين عن الأسباب، أمّا العوام الذين لا يستطيعون الصبر على البلاء فأبيح لهم التداوي والمعالجات (69) .

ثمّ إنّ هذه الأحاديث محمولة على من يعتقد أنّ الرّقية تؤثر بنفسها لا بقدر الله تعالى وقدرته، قال الإمام الشوكاني: (تحمل الأحاديث الدالّة على ترك الرّقية على قوم كانوا يعتقدون نفعها وتأثيرها بطبعها كما كانت الجاهلية يزعمون في أشياء كثيرة) (70) . وقد يحمل الحديث على بيان الأفضلية (71) .

3 -إنّ الرّقية تكون من العين والحُمَة (72) فقط؛ لقوله - عليه السلام: (( لا رقية إلا من عين أو حُمَة ) ) (73) .

وأجيب عن ذلك أنّه لم يرِد بالحديث نفي جواز الرّقية من غيرهما، فإنّ معنى الحديث: لا رقية أولى وأنفع من رقيتهما، كما يقال: لا فتى إلا علي، لا سيف إلا ذو الفقار. وقد كان رسول- صلى الله عليه وسلم- يرقي أصحاب المرض والأوجاع بالكلمات التامّات والآيات، ويمكن أن يكون معنى الحديث - والله أعلم-: لا رقية ضرورة تلجئه من جهة إصابة العين والحمة، فإنّهما مهلكان بسرعة أو موقعتان في مشقة عظيمة (74) .

والراجح ما ذهب إليه الجمهور لما يلي:

1 -ذهب الداودي إلى أنّ المراد بالحديث: (( ولا يسترقون، ولا يكتوون ) )الذين يجتنبون فعل ذلك في الصحة خشية وقوع الداء، وأمّا من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء فلا. وذكر الخطابي بأنّ المراد بترك الرقى والكي الاعتماد على الله في دفع الداء والرضا بقدره لا القدح في جواز ذلك وثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة (75) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت