بآياته وحروفه (211) . وهذا الأثر فيه دليل على جواز استرقاء أهل الكتاب وهو قول الإمام مالك في رواية (212) . وبه جزم الإمام الشافعي (213) . فقد سئل الشافعي أيرقى أهل الكتاب المسلمين؟ فقال: نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله أو ذكر الله (214) .
وكره الإمام مالك في رواية ثانية استرقاء أهل الكتاب خوفًا أن يكون ممّا بدلوه، ولأنّا لا نعلم هل يرقون بكتاب الله أو بالمكروه الذي يضاهي السحر (215) . وأجاب من أجاز بأنّ مثل هذا يبعد أن يقولوه، فإنّ لهم غرضًا في ذلك بخلاف غيرها ممّا بدلوهما، وهم حريصون على استمرار وصفهم بالحذق لترويج صناعتهم (216) .
والراجح جواز ذلك؛ لقوّة الدليل على ذلك من جهة، ثمّ إنّ الله تعالى أحلّ طعامهم ونساءهم، والرّقية إذا رقوا بكتاب الله مثل هذا أو أخف (217) . أمّا القول بأنّهم قد يرقون بما يخالف حكم الله وما فيه سحر فيمكن أن يصدر ذلك من المسلم أيضاَ، وهذا يوجب على المسلم التحقّق من الرقاة وما يرقون به، والابتعاد عمّن يفعل منهم ما فيه شرك أو كفر.
2 -عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يعوّذ الحسن والحسين ويقول: (( إنّ أباكما كان يعوّذ بها إسماعيل وإسحاق، أعوذ بكلمات الله التامّة من كل شيطان وهامّة(218) ، ومن كل عين لامّة (219 ) )) (220) . وكلمات الله التامّة كما ذكر العلماء: علمه وصفاته وأسماؤه وآيات كتبه (221) .
الشرط الثاني: أن تكون الرّقية أو العلاج بلسان عربي أو غيره ويعرف معناه، وأمّا ما لا يعرف معناه، بأن يكون فيه ألفاظ أعجمية مجهولة المعنى غريبة المبنى، فلا يجوز أن يرقى به لاحتمال أن يكون فيه كلمة كفر أو شرك أو سحر، فيتجنّبه احتياطًا، أمّا إن كان اللفظ الأعجمي معروف المعنى من عدل ولو إجمالا جاز. وهذا ممّا اتفق عليه الفقهاء (222) .
جاء في حاشية ابن عابدين: (وإنّما تكره العوذة إذا كانت لغير لسان العرب، ولا يدري ما هو، ولعله يدخله سحر أو كفر أو غير ذلك، وأمّا ما كان من القرآن أو شئ من الدعوات فلا بأس به) (223) . كما لا تصح الرّقية بحروف مقطّعة لا يفهم معناها؛ لئلا يكون فيها كفر (224) .
واستدلوا على هذا الشرط بما يلي:
1 -أنّ النبي - عليه السلام - كان يطلب من المسلمين عرض رقاهم عليه حتى لا يقعوا في الشرك، فعن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنّا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: (( أعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقي ما لم يكن فيه شرك ) ) (225) .