القول الأول: يجوز الاستشفاء بالقرآن الكريم، سواء أكان ذلك بالقراءة على المريض وهو ما يسمّى بالرّقية، أو كتابته على ورق وتعليقه عليه وهو ما يسمّى بالتميمة، أو بالقراءة في إناء ويغسّل أو يسقى به المريض. وهو قول جمهور الفقهاء (34) .
جاء في كتاب (( المجموع ) )للنووي: (إنْ رقى بكتاب الله أو بما يعرف من ذكر الله تعالى متبركًا به، وهو يرى نزول الشفاء من الله تعالى، فلا بأس به، والله تعالى أعلم) (35) . واستدل العلماء على جواز الرّقية بكتاب الله تعالى بما يلي:
أولًا: من الكتاب، استدلوا بما يلي:
1 -قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} (36) .
قال الإمام ابن الجوزي: اختلف العلماء في كونه شفاء على قولين (37) :
أحدهما: أنّه شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وإزالة الريب.
الثاني: شفاء من الأمراض الظاهرة بالرّقى والتعوّذ ونحوه.
جاء في (( التحرير والتنوير ) )لابن عاشور: (في الآية دليل على أنّ في القرآن آيات يشتفى بها من الأدواء والآلام ورد تعيينها في الأخبار الصحيحة) (38) .
والعلاج بالقرآن يكون بجميع آياته وإن كان لبعضها مزية خاصّة كالرّقية بأمّ الكتاب والمعوّذتين، فأكثر العلماء على أنّ (( من ) )في الآية جنسية لا تبعيضية (39) . قال الإمام القرطبي: (وإذا جاز الرقي بالمعوّذتين وهما سورتان من القرآن، كانت الرّقية بسائر القرآن مثلهما في الجواز إذ كلّه قرآن) (40) .
2 -قوله عزّ وجلُ: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} (41) . وتفسير ذلك أنّ القرآن هدى وشفاء لكل من آمن به من الشك والريب والأوجاع (42) .
3 -قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) } (43) . قال ابن عاشور: (أي شفاء من الأمراض؛ لأنّ وصف(( شفاء ) )قد عقب بقيد (( لما في الصدور ) )فانقطع عن الوصفين اللذين بعده (( هدى ورحمة ) )؛ ولأنّ تعريف (( الصدور ) )باللام يقتضي العموم فليحمل الشفاء على معنى الدواء الذي هو صالح للشفاء للذي يتناوله) (44) .
إنّ ما سبق من آيات يشير إلى أنّ القرآن علاج وشفاء من الأمراض الجسمانية والنفسانية والروحية، فهو دواء للقلوب والأبدان والأرواح، وإذا كان لبعض الكلام خواص ومنافع، فما بالك بكلام رب العالمين الذي فضله كفضل الله على خلقه، وفيه آيات مخصوصة يعرفها الخواص لإزالة الأمراض والأعراض (45) .