ثانيًا: من السنة النبوية، فقد عوّذ النبي - عليه السلام - نفسه وأهله وأصحابه بالقرآن الكريم والأدعية، وأمر غيره بذلك، والأحاديث في الباب كثيرة منها:
1 -عن عائشة - رضي الله عنها - أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوِّذات وينفث. قالت: فلمّا اشتد وجعه كنت أنا أقرأ عليه، وأمسح عليه بيمينه رجاء بركتها (46) .
وعن كيفية النفث قال الإمام الزهري: كان ينفث على يديه ثمّ يمسح بهما وجهه (47) . وقال العيني: (والنفث ينبغي أن يكون بعد التلاوة؛ ليوصل بركة القرآن إلى بشرة القارئ أو المقروء له) (48) . والمقصود أنّ الروح إذا كانت قويّة وتكيّفت بمعاني الفاتحة، واستعانت بالنفث والتفل قابلت ذلك الأثر الذي حصل من النفوس الخبيثة فأزالته. والله أعلم (49) .
2 -عن أبي سعيد الخدري قال: كنّا في مسير لنا، فنزلنا، فجاءت جارية فقالت: إنّ سيد الحي سليم، وإنّ نفرنا غيب، فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنا نَأْبِنُهُ برقية، فرقاه، فبرأ فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنًا، فلمّا رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية أو كنت ترقي؟ قال: لا ما رقيت إلا بأمّ الكتاب. قلنا: لا تحدّثوا شيئًا حتى نأتي أو نسأل النبي- صلى الله عليه وسلم- فلمّا قدمنا المدينة ذكرناه للنبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: (( وما كان يدريه أنّها رقية؟ اقسموا واضربوا لي بسهم ) ) (50) . ففي الحديث أنّه لم ينههم عن فعلهم، فاستفيد من تقريره جواز الرّقية بالقرآن (51) . وهو دليل على فضل هذه السورة العظيمة وأهميّتها في التخفيف عن المعلول إن قرأها بصدق وإخلاص، يقول الإِمام ابن قيِّم الجوزية - يرحمه الله تعالى-: (لقد مرَّ بي وقتٌ في مكّة سقمت فيه، ولا أجد طبيبًا ولا دواءً، فكنت أعالج نفسي بالفاتحة، فأرى لها تأثيرًا عجيبًا آخذ شربة من ماء زمزم، وأقرؤها عليها مرارًا، ثمّ أشربه، فوجدت بذلك البرء التام، فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألمًا، فكان كثيرٌ منهم يبرأ سريعًا) (52) .
3 -أنّ النبي- صلى الله عليه وسلم- كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوّذات ومسح عنه بيده (53) . ففي هذا الحديث استحباب الرّقية بالقرآن وبالأذكار، وإنّما رقى بالمعوّذات؛ لأنّهنّ جامعات للاستعاذة من كل المكروهات جملةً وتفصيلًا، ففيها الاستعاذة من شرّ ما خلق، فيدخل فيه كل شيء، ومن شرّ النفاثات في العقد ومن السواحر، ومن شرّ الحاسدين، ومن شرّ الوسواس الخنّاس (54) .
4 -ما رواه ابن ماجة أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: (( عليكم بالشفاءين العسل والقرآن ) ) (55) . فقد جمع النبي - عليه السلام - في الحديث بين الطب البشري والإلهي، وبين الفاعل الطبيعي والروحاني، وطب الأجساد وطب الأرواح، والسبب الأرضي والسمائي (56) .