بينما كان حجم المسائل المتعلقة بمباحث الأحوال الشخصية كبيرًا نسبيًا في كتب الفتاوى (38) ، ويكاد يكون العمل اليومي للمفتين هو الرد على فتاوى في مباحث الأحوال الشخصية وبخاصة الطلاق، وتأتي مسائل العبادات في المرتبة الثانية، أما المسائل الأخرى فقليلة (39) .
وسبقت الإشارة إلى جوانب أخرى في طبيعة مباحث الأحوال الشخصية، وهي شمولها بالنصوص الشرعية التي تناولتها (40) ، يقول عقلة:"ويلاحظ أن أغلب أحكام الأسرة جاءت مفصلة، مما يعني أنها لا تقبل التغيير أو التبديل إلا في نطاق ضيق" (41) .
إن طبيعة مباحث الأحوال الشخصية وإن كانت متسمة بالثبات فإنها لم تحل دون تجديدها بما يتفق وفهم النصوص والالتزام بأحكامها والعمل على تطبيقها لتحقيق الغايات التي شرعت من أجلها هذه الأحكام.
"استمد القضاة والمفتون أحكام الأحوال الشخصية من الكتاب والسنة، وفتاوى الصحابة، وما أداه إليه اجتهادهم، إذ لم يكن يلي القضاء إلا فقيه مجتهد، ثم صارت الكتب الفقهية مرجعًا للقضاة منذ تولّي القضاء أبو يوسف، صاحب أبي حنيفة في سنة 136 هـ، ولم تمنع ذلك من الاجتهاد في المسائل المستجدة، والترجيح بين الآراء المختلفة في المذهب، إلا أن الطابع العام تحول إلى التزام مذهبي، سواء كان مذهبي أبي حنيفة أم غيره (42) ."
ومع تجدد الأعراف، وتبدل وسائل العيش، وتطور أساليب الحياة احتاجت بعض الأحكام التي بنيت على الأعراف المتغيرة، والمصالح المتجددة، احتاجت إلى تغيير صعبت الاستجابة له، مع الالتزام المذهبي الذي وجه إليه انتقادان:
"الأول: شكلي، وهو أن القضاة كانوا يعتمدون في أقضيتهم على قانون غير مسطور لم تدون مواده، ولم تجمع فروعه تحت كليات جامعة، وترك للقضاة أن يبحثوا عن أرجح الأقوال في المذهب، وأرجح الأقوال منشور في بطون الكتب، ولم يجمع المصنفون على أرجحية الكثير منها، فقد يرجح مؤلف ما لا يرجح آخر."
أما العيب الموضوعي، فهو أن العمل بمذهب أبي حنيفة - وهو المذهب الأوسع تطبيقًا - قد كشف عن مسائل ليس في الأخذ بها ما يتفق وروح العصر، وفي غيره من المذاهب ما يوافق روح العصر أكثر منه، وليس في ذلك قدح لأبي حنيفة وأصحابه، والمخرجين في مذهبه، فإنهم مجتهدون متأثرون بأزمانهم، والفتاوى إذا لم تعتمد على نص تكون أقيستها مستمدة من حكم العرف في كثير من الأحوال، وأن الاجتهاد في هذه الحال رأي، والرأي يخطئ ويصيب ...."."
لهذين العيبين اتجه المصلحون، وذوو الرأي، وأولو الأمر إلى العمل على تسطير قانون للأسرة، يستنبط من المذاهب الأربعة المشهورة، ويختار منها بحيث يؤخذ من كل مذهب ما يكون أصلح للناس، وأقرب لروح العصر (43) "شريطة أن يكون موافقًا للدليل أيضًا."