تدل على نفي الحرج وعدم التكليف بما فوق الوسع وغيرها من الأدلة السابق بيانها، وهي أخص من الآيات العامة التي ذكرها الحزب، ومعلوم أن الخاص يقدم على العام. [1]
4 -وأما استدلالهم بالآيات التي تدل على كمال الشريعة، فهذا نتيجة عدم تحرير موضع النزاع في ذهن المحتج بذلك لأن هذا خارج محل الخلاف بل هو أمر يتفق عليه الجميع، فلا يدعي مسلم أن الشرع فيه نقص، وموضع الخلاف إنما هو في وجوب تطبيق هذا الشرع التام في ظل أوضاع لا نستطيع فيها فعل ذلك، فالشرع الكامل لا نستطيع أن نطبقه لا لنقص فيه ولكن لضعف فينا، وجهل الناس بالشرع نتيجة هذا التغييب للشرع هذه المدة الطويلة من الزمان.
5 -الاستدلال بأن البلاد التي فتحها المسلمون طبقت فيها أحكام الشريعة دون تدرج، فهذا كان واجبًا عليهم لأن عندهم القدرة على ذلك، فدولة الإسلام قوية وأحكام الشرع مصونة، أما في حال عدم القدرة وعدم استتباب الحكم الإسلامي فالحكم يختلف، وهذا من باب تغير الفتوى بتغير الحال. [2]
6 -أما قولهم بأن الإسلام طريقته انقلابية في التغيير، فهذا أمر غير سليم، فالتدرج الذي كان في سيرته - صلى الله عليه وسلم - والتدرج في تشريع الأحكام والقرآن المكي والمدني والخلاف بين الأسلوبين، وسائر الأدلة التي ذكرناها سابقًا تدحض هذا الادعاء، وإن صدق كلامهم في شيء فإنما يصدق في جانب العقيدة والأخلاق فحسب.
7 -أما قولهم بأن الحق لا يقبل الشراكة مع الباطل، فصحيح ولكن الحق يقبل أن يقاوم الباطل بالتدرج، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - مكث سنين طويلة من الدعوة والجهاد وتثبيت أركان الإيمان في النفوس قبل أن يهدم الأصنام بالفؤوس.
8 -أما استدلالهم بأبي بكر - رضي الله عنه - وحربه للمرتدين وقوله:"والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه رسول الله صلى الله عليه و سلم لقاتلتهم عليه". [3]
فإنه - رضي الله عنه - قام بما يستطيع فعله، أما ما لا يستطيع فعله فلا يكلف به أصلًا، ثم هل قام أبو بكر - رضي الله عنه - بتحرير الدولة من المرتدين في لحظة واحدة؟،أم أنه حاربهم باللسان والسنان وذهبت في سبيل ذلك مهج غالية وأرواح زكية لإحاق الحق، واستمرت حروب الردة مدة من الزمان طالت أم قصرت. [4]
(1) انظر: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (1/ 285)
(2) إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/ 38) ،وانظر: مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، العلامة يوسف القرضاوي،
(3) سبق تخريجه
(4) انظر: تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية، د محمد سهيل طقوش،1/ 62