الصفحة 12 من 22

بذلك وعليه الضمان، وإن كان على الوجه المعتاد ففيه للعلماء قولان: أحدهما. لا يمنع من ذلك، الثاني المنع [1] .

وأما الثاني: وهو أن يمنع غيره من الانتفاع بملكه والارتفاق به فإن كان ذلك يضر به فله المنع، وأما إن لم يضر به فهل يجب عليه التمكين ويحرم عليه الامتناع أم لا؟

من قال في القسم الأول: لا يمنع المالك من التصرف في ملكه وإن اضر بجاره، قال هنا: للجار المنع من التصرف في ملكه بغير إذنه. ومن قال هناك بالمنع، اختلف هنا على قولين: أحدهما المنع، والثاني عدم جواز المنع [2] . ومع كل ماتقدم فأن لفظ الحديث يدل على نفي عموم الضرر، وهذا يعني أن الضرر ممنوع سواء أكان متجهًا للإنسان أم غيره من المكونات كالأرض والنبات والحيوان وغيرها 0

ثانيًا: الأثر الفقهي للقاعدة

تعتبر هذه القاعدة من التدابير الوقائية الاحترازية في معالجة قضايا البيئة في الإسلام، ولما ثبت عندنا في معنى القاعدة من نفي عموم الضرر أيا كان، فموجبه منع أي اعتداء على مكونات البيئة يسبب الخلل ويفوت المصالح المتوخاة من الموارد. وبناء على ذلك فان الإسلام يمنع كل وجوه تلوث البيئة واستنزاف مواردها، بدءًا من التلوث على اختلاف أنواعه، وانتهاء بتعطيل الاستفادة من الموارد. وينظر إلى خطورة المشكلة البيئية من خلال الضرر الذي تحدثه أو المصلحة التي تفوتها وتهدرها، فاشد المشكلات خطورة هي تلك التي تؤدي إلى إهدار أو تفويت مصلحة ضرورية [3] ، كالتسبب في التلوث السام الذي يودي بحياة الناس أو يسبب لهم إضرارا بالغة (كاستخدام الأسلحة البيولوجية والنووية، والكيماوية) ، مثل تلوث المياه والتربة والغذاء بالنفايات السامة والمواد الكيماوية التي ثبت طبيًا ضررها البالغ على الصحة وأثرها البعيد المدى على الأجيال القادمة. تليها في الخطورة المشكلة البيئية التي تفوت مصلحة حاجية كتلوث الهواء بعوادم السيارات ودخان المصانع الذي لايصل إلى حد الحرج صحيًا بحيث لايفضى إلى إزهاق الأرواح وأخف المشكلات خطورة هي تلك التي تهدر مصلحة تحسينية تعتبر من الكماليات، كالتسبب في تشويه الناحية الجمالية للبيئة ومكوناتها برمي النفايات في الشوارع والطرقات ونحوها، وعدم مراعاة الحس الجمالي في تخطيط الابنة وغير ذلك. وقد

(1) قال المحقق الحلي: (ولو أرسل في ملكه ماء فأغرق مال غيره، أوأجج نارا فيه فأحرق، لم يضمن مالم يتجاوز قدر حاجته اختيارا مع علمه، وغلبة ظنه أن ذلك موجب للتعدي إلى الإضرار) ، ينظر: شرائع الإسلام، للمحقق العلامة أبي القاسم نجم الدين الحلي، تحقيق: عبد الحسين محمد علي، مطبعة الآداب، النجف، ط 1،1969 م 0

(2) (3) ينظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي، ت مصطفى ألعدوي، دار ابن رجب، القاهرة، ص 455 - 458

(3) المصالح التي رعاها الشرع الحنيف تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ضرورية وحاجية وتحسينية. فالضرورية هي التي لابد منها لقيام مصالح الدين والدنيا، فإذا فقدت حصل الفساد والتها رج وفوت الحياة. والحاجبة هي التي يحتاج إليها للتوسعة ورفع الحرج، فإذا فاتت وقع المكلف في الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد الذي يكون في فوت المصلحة الضرورية، فهي الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تانفها العقول الراجحات، وبفوتها لا تختل الضروريات ولا الحاجيات، لأنها جرت مجرى التحسين والتزيين. ينظر: الموافقات، للشاطبي، تحقيق عبد الله دراز، دار المعرفة، بيروت ج 2/ 3_4_5

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت