تناول الفقهاء بعضًا من صور التلوث الذي تعاني منه البيئة اليوم واعتبروه من الضرر الذي يمنع [1] ، ومن ذلك:
تناول الفقهاء الحديث عن تلوث الهواء بالدخان في معرض ذكر الجوار والضرر الذي يمنع الجار من أن يحدثه لجاره. فقد نص الحنفية والمالكية والحنابلة [2] .على أن يمنع من اتخذ داره حمامًا يتأذى الجيران من دخانها، أو بنى في داره تنورًا للخبز دائمًا، بحيث يتضرر منه الجيران، فان لهم منعه من ذلك لأنه يتسبب لهم بضرر فاحش. وهم يميزون في الضرر الناتج عن تلوث الهواء بين الضرر اليسير المحتمل عادة مثل دخان الطبخ والخبز المعتاد في الدار، فهذا لا يمنع؛ لان الضرر لا يزال بالضرر، وبين الضرر غير المعتاد، وهو الضرر الفاحش، كأن يحدث في داره تنورًا للخبز دائمًا، ويتأذى الجيران من استدامة دخانه، فانه يمنع منه، ويضمن ما أحدثه من تلف به لتعديه به. يقول في المدونة:"قلت: أرأيت إن كانت لي عرصة إلى جانب دور قوم فأردت أن احدث في تلك العرصة حمامًا أو فرنًا أو موضعًا لرحى، فأبى علي الجيران ذلك، أيكون لهم أن يمنعوني في قول مالك؟ قال: إن كان ما يحدث ضررًا على الجيران من الدخان وما شابهه، فلهم ذلك يمنعوك من ذلك؛ لان مالكًا قال: يمنع من ضرر جاره فإذا كان هذا ضررًا منع من ذلك. قلت: وكذلك إن كان حدادًا فاتخذ فيها كيرًا أو اتخذ فيها أفرانا يسيل فيها الذهب الفضة أو اتخذ فيها ارحية تضر بجدران الجيران أو احفر فيها آبارا أو كنيفا قرب جدران جيرانه منعته من ذلك؟ قال نعم، كذلك قال مالك في غير واحد من هذا في الدخان وغيره" [3] ويقابل ذلك في أيامنا إن من يتأذى من الناس من دخان مصنعه أو عوادم سيارته المنطلقة بشكل غير معتاد بحيث يترتب على ذلك ضرر فاحش مادي أو صحي للآخرين، فانه يمنع منه، ويطالب بإزالته شرعا، حيث إن المصالح العامة في الإسلام مقدمة على المصالح الخاصة [4] كما إن المصلحة الفردية لا يقصد منها في الإسلام مجرد النفع الشخصي، بل لابد أن لا تتعارض مع التنظيم التشريعي العام في الفقه الإسلامي [5] ،ونص المالكية أيضا على المنع من كل ما يصدر رائحته منتنة تؤذي لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ."من آكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا ولا يؤذينا بريح الثوم" [6] . حيث دل على المنع من كل رائحة تؤذي قياسا على رائحة الثوم والبصل. فمنع الشخص من أن يحدث في داره أو حانوته دباغا، أو
(1) ينظر: حماية البيئة الطبيعية في الشريعة الإسلامية، رسالة ماجستير، إعداد صفاء موزه، مقدمة الى جامعة دمشق كلية الشريعة، سنة 2006،بتصرف
(2) ينظر: حاشية ابن عابدين، لابن عابدين، دار الفكر ج 7/ 380،وينظر: المدونة الكبرى، للإمام مالك، مطبعة السعادة، مصر كتاب القسمة 4/ 314، كشاف القناع، للبهوتي، تحقيق / هلال مصلحي مصطفى هلال، دار الفكر 1402 ــ بيروت ج 3/ 116
(3) (2) المدونة الكبرى، للإمام مالك، كتاب القسمة الثاني، فيمن أراد أن يحدث في أرضه حماما أو فرنا أو رحى، ج 4/ 314
(4) ينظر: الموافقات، للشاطبي، 2/ 243
(5) ينظر: نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي، د 0 فتحي الدريني مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 2/ 1977،ص 40
(6) أخرجه البخاري، ينظر: صحيح البخاري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار المعرفة المعرفة، بيروت، كتاب صفة الصلاة، باب ما جاء في الثوم الني والبصل والكراث، رقم الحديث (815) ،ج 1/ 285 عن ابن عمر.