الصفحة 60 من 148

ولذلك فإن الله عز وجل قد بين أيضًا قصة طاغية في زمن موسى عليه السلام كان يجمع المال ويزعم أن هذا المال قد جاءه بقوته وبجدارته، فقال - وهو قارون -: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} ، ماذا قال الله؟ {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} .

ولذلك فإني انصحكم - والذي لا إله غيره من خالص قلبي وكفى بربي شهيدا علي وعليكم - أوصيكم بوصية أوصى بها مؤمن في سالف الزمان قومه، فقال: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخرة هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} .

متاع! ألم يتولى المُلكَ؛ المَلكُ عبد العزيز، وتولى شرق الجزيرة وغرقها وشمالها وجنوبها؟ ألم تحتف به الفوارس والمواكب والجيوش؟ ثم ماذا؟ لقد ذهب بعد هذا المتاع الدنيوي الزائل، وهو الآن في قبره لا يقف على قبره ولا حارس واحد.

ألا تعلمون ان كل واحد منكم سوف يمر بهذا المصير؟ أليست الدنيا متاع زائل ولكن الآخرة هي دار القرار؟

{يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولياء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} ، هذه وصية الناصح، أسأل الله جل وعلا ان تلقى قلبا واعيا، واذنا صاغية.

ثم اعلموا ان الموت نهاية كل حي، أما سمعتم قول العظيم جل وعلا؛ {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} ؟ أما سمعتم قول الله؛ {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} ؟

ولذلك إنما يصرف العبد عن التفكير بهذا المصير؛ الانشغال بلهو الدنيا ولعبها وفتنها، ولذلك بين الله عز وجل حال الذين اتخذوا دينهم لهو ولعبا، فماذا قال ربنا؟ {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ، نعم! هذا كتاب الله بين ايديكم.

ثم تذكروا انه ما ترك ملك من الملوك دين الله عز وجل ونحى أولياء الله عز وجل وقرب اعدائه إلا كان أقوى دليل على قرب سقوطه وزواله، لا تغضبوا! هذه سنة الله، انها سنة الخلاق العليم، فاحمدوا الله على رحمة الله الذي يبصركم بسننه قبل وقوعها، ولكن الذين لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت