حدد لنا وقتًا تقترح فيه أن نبدأ فيه بقتال العدو، فتجد أنه صفر اليدين كاذب الادعاء، إنما يخذل ويريد أن يقول فاخشوهم لكن عبَّر بأسلوب آخر ...
ما سمع المخذول المرذول المنطفئ من قلبه نور الوحي، ما سمع قول الله جل وعلا في قصة طالوت وأصحاب طالوت: {فَلمَّا فََصَلَ طَالُوتُ بِالجنودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبتَلِيكُمْ بِنَهْرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي وَمَنْ لمْ يَطْعَمْهُ فَإنهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرفَة ًبِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَليلًا مِنهُم فَلمَّا جَاوَزهُ هُوَ والذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} .
يقول بعض المفسرين كالسدي وغيره: كان عدد جيش طالوت الذين أرادوا القتال قبل أن يوجبه الله عليهم يناهزون الثمانين ألفًا، ثم بقدر الله وقضائه وحكمته نُصب على طريق الجهاد والعز معالم ابتلاء، وفرص للمخذولين أن يتراجعوا قبل أن يصلون خط النار، فتساقط المدعون، والكذابون والمفترون فتنةً إثر فتنة، حتى تجاوزوا النهر، فلم يجاوز النهر مع طالوت من ثمانين ألفًا إلا ثلاث مئة وأربعة عشر رجلًا!
أنظر سنة الله في السابقين وفي اللاحقين، ولما جاوزوا أيضًا، هل أيضًا كلهم كانوا على مستوى الصمود المطلق؟ أيضًا ما زال في قلوب بعضهم، من الصادقين المؤمنين الذين نسفوا ملذات الدنيا وراءهم، وتحملوا مشاق اللوم والطعن السب والشتم وجاوزوا النهر، أيضًا لما جاوزوا قال جملتهم أو كثير منهم لما رأوا قوات الطاغية جالوت؛ {الُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ} ، انظر الذين يقولون الطاقة والقدرة، يقولون لا بد أن يكون هناك مقاربة في العدد والعدة، {الُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} ، لكن لن تعدم الأمة الصادقة في كل زمان، وفي كل مكان، من بضعة نفر، يثبتون بتثبيت الله، يشجعون بكلام الله، يؤيدون بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام ... {قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً} بعضلاتهم؟ بقوتهم؟ بقبيلتهم؟ بحسبهم؟ بنسبهم؟ بجنسيتهم؟ بادعائهم التوحيد؟ بادعائهم تحكيم الشرع كذبًا وبهتانا؟ لا ... {بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} .
انظر الجولة الأخيرة؛ لما أقدموا {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} واصطف الجيشان طبعًا، ورأوا أن حيلتهم انقطعت، وأن عالم الأسباب قد تلاشى أمامهم، لأنه لا مقاربة البتة بين الجيشين، ولا يمكن أن يكون فيه أي مقارنة في العدد والعدة، فلما انقطعت الحيل، أين الملجأ؟ لا ملجأ من الله إلا إليه، انظر ماذا قالوا {قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} ، إنه السلاح المطلق الذي لا يخذل من تسلح به على الإطلاق ... فما هي النتيجة؟ بعد الدعاء مباشرة، بعد أن يئسوا من نصر الخلق لهم، ولم يبقَ في الساحة - في الميدان - إلا هذا العدد اليسير، فما إن رفعوا أكف الضراعة بصدق إلى الذي بيده نواصي الجبابرة، إلى من بيده رقاب طواغيت الإنس والجن، فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ