بقلم؛ محمد مصطفى المقرئ
الحمد لله مالك الأنفس والأرزاق، الذي إليه المرجع والمساق، القائل في محكم التنزيل: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنعام:17].
والصلاة والسلام على المبعوث بالحجة والبيان، الصادع بالحق للإنس والجان، لم يخش في الله لومة لائم، ولم يهن ولم يضعف لنقمة ناقم، فعلم أتباعه أن يقولوا الحق وإن كان مرًا، لا يهابون أذىً ولا يخشون ضرًا، متمثلين قوله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) [[1] ].
ثم أما بعد ..
فإن الله تعالى أوجب طاعته وطاعة رسوله على المؤمنين، وأوجب طاعة أولي الأمر تبعًا لذلك، أي بشرط طاعتهم لله والرسول، ذلك أن أمر الناس لا يستقيم بغير رأس تديره، وكذلك لا يستقيم إذا الرأس اعوج أو مال.
لا يَصلح الناسُ فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالُهم سادوا
ولذلك لم تُفرض على المؤمنين طاعة لأولي الأمر مطلقة، بل قيدت طاعتهم بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما في قول الله جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا) (النساء:59) فلم يكرر فعل"أطيعوا"مع أولي الأمر؛ إذ إنهم لا طاعة لهم مستقلة، وإنما يطاعون بطاعتهم لله وللرسول، ولذلك أوقِف (الراعي والرعية) - عند التنازع - كلاهما أمام الشرع سواء .. (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) ، وجعل ردهم ما يتنازعون فيه إلى الله والرسول شرط إيمانهم، فقال - بعدها: (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) .
(1) رواه ابن ماجه عن أبي سعيد، وأحمد، وابن ماجه، والطبراني، والبيهقي في"الشعب"، عن أبي أمامة، وانظر تما تخريجه في"الصحيحة": (491) ، و"صحيح الجامع": (1100)