بقلم الشيخ؛ محمد مصطفى المقرئ
كم تبلغ المسافة بين العقل والجنون؟ أتدري أنها قد تضايق - أحيانًا - إلى حد اللامسافة، أو اللا حد، أو اللا بَيْن؟ أتخال أنه يمكنُ اختزال ما بينهما حتى يتصل كلٌ منهما بالآخر، أو يتلبس به، أو يمتزج معه؟!
وإن تعجب فعجب أن تراها - المسافة - بين لُبين - أيّ لُبين - تضيق وتتسع بحسبهما، اقترابًا من الحكمة أو بعدًا عنها، وأنه ربما تنمحي خصائصهما، وتتلاشى الفوارق بينهما؛ فيتلاحمان، أو يتداخلان، أو يندمجان بحيث لا يتمايزان!!
والذي هو أعجب من ذلك: أن العقل والجنون قد يتعاقبان - على ذات بعينها - تعاقب الليل والنهار؟ فيغشاها ليل العقل عند حلول معطيات ما، ثم ينجلي عند معطيات تضادها أو تقابلها .. وهكذا دواليك، فإذا العقل والجنون يضمهما جميعًا قيضٌ واحد!!
روى أبو القاسم النيسابوري [1] ، عن علي بن عبد المالك، قال: (كان بِطَرْسُوس [2] مجنون اسمه"رزام"، وكان إذا خرج المعسكر - يعني الجيش -؛ خرج مع الناس وأخذ سيفًا ودَرَقَةً، ولا يزال يلقى أعداء الدين، فإذا دخل في الحرب زال عنه جنونه، فإذا انقضى القتال، فعاد إلى البلد؛ رجع إلى جنونه) أ. هـ.
فكأنه قد يلم بالناس حال لا يتحقق فيه العقل - حق العقل - إلا بالقتال في سبيل الله، ولا يتجسد العاقل إلا في مُقاتل، ولا تُتلمس العقلانية إلا تحت ظلال السيوف!!
وعندئذ يكون الجنون - محض الجنون - تركَ القتال في سبيل الله، أو إيقافَه، أو التروحَ منه .. فكيف بمنعه، والصد عنه، وقتال أهله ... بل كيف بتجريمه، وتحريمه، وعده من المحظورات المحذورات؟!!
(1) "عقلاء المجانين": (ص 155)
(2) قال ياقوت الحموي:"مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم، يشقها نهر البردان، وبها قبر المأمون"