الصفحة 32 من 154

إن زوال الجنون - أو بقاءه - منوط بما يتحتم على العقل فعله أو تركه، أو بعبارة أخرى؛ إن إثبات صفة العقل - لذات ما - أو سلبها عنها مرجعه إلى شمائل الذات وسلوكياتها، على أننا نعني بالعقل عقلين:

أحدهما: العقل المفرد. والآخر: العقل الجمعي، أي الاعتباري الذي توصف به جماعة أو أمة أو مجتمع .. وهو - في منهج الإسلام: صفة تثبت للأمة بدرجة ما، أو حكم (لها أو عليها) ، بحسب ما تتمثله من خصائص العقل المجرد.

هذا .. وليس للعقل - في منهج الإسلام - أن يُحكَّم في مواجهة النقل، لأنه ينتفي عن العقل السليم؛ أن يتعارض مع الشرع الصحيح، وليس ما يخاله الناس تعارضًا إلا محض وهم أو إيهام، أو دليل إثبات يدمغ العقل بالجهل والقصور، أو برهان صدق على فاقة الإنسان وعجزه، فذانك وصمتان وُصمهما بطبعه وأصل خلقه .. {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: من الآية 72] .

ولقد يصير الناس إلى واقع هو الجنون بعينه أو هو عين الجنون، جنون في الأفكار والتصورات، جنون في العقائد و"الأيدلوجيات"، جنون في الموازين والمعايير، في الأخلاقيات والقيم ... ثم جنون في كل شيء ...

جنون الترف والبذخ، وجنون الإسراف والإتلاف، وجنون الأزياء، وجنون الكرة، وجنون"الفن"، وجنون الشذوذ - والشذوذ جنون، ولكنه اليوم جنون الجنون -. وجنون العظمة، وجنون الملك - الذي لا ينقضي"فيروسه"بموت الحاكم، فيورثه لبعض ولده - .. إلى آخر مظاهر الجنون التي تعج بها الدنيا وتعاني منها الإنسانية المعذبة .. وأخيرًا: جنون الساسة، ومجرمي الحرب، وعصابات النظام الدولي الجديد!!

وإذا تأملت في أحوال الأمم والشعوب، أدركت أن أبلغ حالات صور وجود هذه الأنواع كلها: متحقق في أمم الكفر وأنظمة الضلال، ولذلك فإن اللهَ جل وعلا نفى عنهم صفة العقل، وإن كانوا بحسب علم التشريح لهم مخ عضوي يبث إشاراته إلى أجسادهم، وقلب من لحم وأعصاب يضخ الدماء إلى عروقهم، وذلك حيث قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا* أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 43، 44] ، وقال: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ* وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [لأنفال: 22، 23] ، وقال: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ} [يونس: 42] ، وقال: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت