الكاتب: محمد مصطفى المقرئ
يلم بالمرء أسى باخع يكاد يعصر الكبد عصرا، ويواطؤ ذاك الأسى قهرٌ معجز ـ أو عجز قاهر ـ يكاد يفتك بكيانه كله، لولا لطف من الله بعبده ثم بقية من إيمان.
وأفزع إلى كتاب الله الهادي .. أتحسس الطمأنينة ثم، وأنشد السلوان هناك، أفتش عن معنى ينفس بعض الكبت، ويسقط على الواقع المرير ما يشفي بعض الغليل، ويذهب غيظ القلب العليل.
وأجد مبتغاي في ما يفتح الله به من فهم لآية أو آيات، مدركا أن هذا الفتح ـ بلغ ما بلغ ـ غيض من فيض يغمر متدبر ذلك الكتاب المعجز، ورشفات من عين نضاخة لا تجف ولا تنضب .. وأنه مهما تضلع منه المتضلعون؛ فلن يشبعوا أبدا، ولن يحيطوا به تدبرا لآياته واستيعابا لمعانيه .. قال تعالى: {قلْ لوْ كان الْبحْر مدادا لكلمات ربي لنفد الْبحْر قبْل أنْ تنْفد كلمات ربي ولوْ جئْنا بمثْله مددا} (1) ، وقال تعالى: {ولوْ أنما في الْأرْض منْ شجرة أقْلامٌ والْبحْر يمده منْ بعْده سبْعة أبْحر ما نفدتْ كلمات الله إن الله عزيزٌ حكيمٌ} (2) .
أخي القارئ الكريم ..
أرأيت ـ أو مر بك ـ كيف يجيش بالنفس معنى ما فترغب أن تسوغه وتحب أن تفصح عنه، ولكن ينعقد اللسان ويجمد الذهن دون الإتيان بتعبير يفي بالمراد ويصور المشاعر كما تحسها من نفسك؟ ويجهد المرء قريحته في استدعاء ذلك التعبير الشارد، واستحضار تلكم الألفاظ المطابقة، وقد لا تسعفه حينا .. حتى إذا وافته بما يريد؛ كان فرحه به كما لو أن بعض الهم قد ذهب وشطرا من الكرب قد انفرج ..
كذاك وأبلغ .. تفعل بك آيات القرآن حينما تصادف منك معنى كامنا في النفس يبحث عن إبانة ..
وتستوقفني آية كريمة بينما أنا ماضي في تلاوة سورة القصص، فكنت وإياها كالمجتاز طريقا، وإذا بنور يسطع فجأة، فيجعلني ـ رغم مضيي ـ ألتفت مستديرا إليه وقد جاوزته، لأرجع إليه وأقبل عليه أتأمله رغم أني جزت أمامه من قبل مرارا، غير أنه هذه المرة سطع كما لم يسطع من قبل .. فجعلت أكرر تلاوة الآية ـ وما قبلها ـ في أناة وتدبر: {وقال فرْعوْن يا أيها الْملأ ما علمْت لكمْ منْ إله غيْري فأوْقدْ لي يا هامان على الطين فاجْعلْ لي صرْحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الْكاذبين* واستكبر هو وجنوده في الأرْض بغير الحق وظنوا أنهمْ إليْنا لا يرجعون* فأخذْناه وجنوده فنبذْناهمْ في الْيم فانْظرْ كيْف كان عاقبة الظالمين* وجعلْناهمْ أئمة يدْعون إلى النار ويوْم الْقيامة لا ينْصرون* وأتْبعْناهمْ في هذه الدنْيا لعْنة ويوْم الْقيامة همْ من الْمقْبوحين} (3) .
هم من المقبوحين .. هم من المقبوحين .. هم من المقبوحين ...
هل ثم وصف أكثر مطابقة لخصالهم وأدق انطباقا عليهم أبلغ من هذا الوصف البليغ؟
هل في قواميس اللغة، ومعاجم البيان كلمة أوفى بالمراد من"مقبوحين"؟