بقلم الشيخ؛ محمد مصطفى المقرئ
كم يتضاءل المرء أمام رموز الثبات والإباء، وكم يهون بلاء العبد بجوار بلاء غيره، ممن يختارهم الله ليكونوا للناس مثلًا، أولئك قوم يمتن الله على عباده بمثلهم في كل جيل فيحذو طلاب المعالي حذوهم .. خطوة بخطوة، وشبرًا بشبر، تحدوا الجميع بشرى النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل) .
وإن تعجب فعجب أن ينسب المرء نفسه إلى الحكمة والحصافة والخبرة والرشد، لا لشيء إلا أنه غير مطلوب من نظام، ولا صادر بحقه قرار اتهام، ولا محكوم عليه بسجن أو إعدام، أوَ يحسب مثل هذا أنه قد أوتي مما زعم مالم يؤته من قال فيه ربه تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30] .
ولست أتخيل أن يكون الناس في مثل ما نحن فيه من ضيعة الدين ثم يكون علماؤهم ودعاتهم ينعمون بالراحة والدعة، وأنى لعالم أو داعية هو على الجادة ولا يقتل ولا يسجن ولا ينفى مع أن الظلم ضج منه النمل في جحوره، ولكن صدق الله: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلًا} [الإسراء: 73] .
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: (يامخنث العزم أين أنت والطريق: طريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمي في النار الخليل، واضجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضرب أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد صلى الله عليه وسلم، تزها أنت باللهو واللعب؟!) اهـ [الفوائد: 42] .