بقلم الشيخ؛ محمد مختار مصطفى المقرئ
يُوعِدون ويتوعدون، وكأن الكون في قبضتهم، وإنما هم والكون جميعًا في قبضة من لا يغفل ولا ينام، {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [النمل: 79] ، حمق يسوقهم إلى قدرهم المحتوم، ولو شاء ربك ما فعلوه، فذرهم وما يتوعدون، قلقٌ يسود بين البعض مما قد يكون، وإنما هي أقدار ستوقظ الغافلين جبرًا وتنبه المخدوعين دهرًا {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: من الآية216] ، والناس في الأزمات فريقان: متثبت بالإيمان، ورعديد جبان، فكن من {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] .
حساباتنا نحن المؤمنين ليست كحسابات غيرنا، ذلك أنها تشتمل على مفردات خاصة ذاتية، وتنبني على اعتبارات إسلامية ربانية، وسواء هذه أو تلك، فهي أمور وراء المحسوس، ولا يمكن إخضاع أيها لقواعد الحسابات البشرية، ولا يتسنى ترجمتها بلغات الكومبيوتر، فإن تسل كيف ولماذا؟؟
قلت: إنه سر الإيمان، ونفحة هذا الدين العظيم {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ} [محمد: 11] .
في علوم الحرب وصراع القوى؛ يمكن للخبراء العسكريين والقادة السياسيين أن يتنبئوا بنتائج المعارك مسبقًا، وغالبًا ما تصيب توقعاتهم وتوافق حساباتهم، وليس ذلك بالبعيد، فإنه لا يتطلب سوى عقد مقارنة بين قدرات الجيشين المتحاربين، بالإضافة إلى اعتبارات أخرى، كالروح المعنوية، وطبيعة الأرض، وخبرة الجند، وقوة التحمل والمثابرة، بالقياس إلى أحوال الطقس ومدة استمرار الحرب، إلى آخر ما يتطلبه وجوب استقصاء المقدمات للحصول على نتائج صحيحة.
كل ذلك وارد فيه صحة التوقعات، في الأغلب الأعم، ولا سيما مع التطور الهائل الذي تشهده التقنية الحديثة على مختلف الأصعدة وفي جميع المجالات، حيث يمكن إدخال أرقام وقياسات كلا طرَفَي معركةٍ ما لجهاز حاسوب، فيعطيك نتيجة فورية مفصلة بنتائجها قبل نشوبها، ولكن هذه التقنية الباهرة، تقف عاجزة كل العجز أمام إخضاع مفرداتنا الخاصة كمؤمنين لحساباتهم كبشر، فحينما يكون أحد المعسكرين المتحاربين معسكر الإيمان، تفشل الحسابات البشرية - ولا شك - في التوصل إلى توقعات صائبة، بل تكون حساباتها تلك