من باب العبث والدجل لأنها تتأسس - حينئذ - على مقدمات خاطئة أو ناقصة، لم يحط بها استقصاء كلي جامع.
فما هي المفردات التي يختص بها المسلمون؟ إنها مفردات ربانية لا تُمنح لجنس تفضيلًا له على آخر، وإنما يختص بها أهل الإيمان أينما كانوا، وأيًا كان جنسهم أو لونهم، وذلك بمقتضى ميزان العدل الإلهي، الذي لا اعتبار فيه لمعايير البشر العنصرية والمادية، والتي تتحيز لفريق دون آخر لمجرد الهوى، أو لحمية حمية الجاهلية، أو لالتقاء المصالح"ميكافيلية"، فالاعتبار الوحيد في ميزان الله: هو الحق والعدل، وعلى أساسه يُمنح المسلم وحده تلك المفردات والخصائص التي تميزه على غيره وتجعله فوقه {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] .. {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35، 36] ، {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [صّ: 28] .
هذه المفردات التي نعنيها، هي كما يلي:
أولًا: أن المقادير كلها بيد الله وحده؛ فلا يكون شيء في كونه إلا بمشيئته {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 30] ، وهذه الأسباب الظاهرة إنْ هي إلا محلٌ لابتلاء الله لعباده واختباره لهم، فهي من جهتهم: عمل بمقتضى التكليف الشرعي، والتزام بالسنن الكونية التي تربط الأسباب بمسبباتها لا غير، وإن كانوا على يقين أن الأسباب لا توصل إلى مسبباتها إلا بإذن الله، قال تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [لأنفال: من الآية17] ، وقال تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: من الآية126] ، وأوضح من هذا أنه قد تتخلف الأسباب الظاهرة أو تضعف، ومع ذلك يمتن الله بنتائجها على من يشاء من عباده المؤمنين، كما قال تعالى: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] ، وقال تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [آل عمران: 13] ، فلا اعتبار بالكثرة، ولا قيمة لها إن كانت على الباطل، كما قال تعالى - مخاطبًا الذين كفروا: {وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [لأنفال: من الآية19] ، {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ} [الملك: 20] .
ثانيًا: أن مدد الله لعباده المؤمنين خيرٌ وآكد من الأسباب ذاتها؛ فمتى أخذوا بالأسباب ما استطاعوا، وبقيت مع ذلك دون مكافئة قدرات العدو، كمَل الله لهم قدراتهم