بمدده الذي لا يقهر، وتمم لهم أسبابهم التي ليست في طولهم بأسباب لا تتخلف نتائجها، فذانك مددان - التكملة والتتمة - لا يخضعان لحسابات البشر أبدًا ... {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [لأنفال: 9] ، {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125] .
فهذه أمور ثلاثة هي من الأسباب الشرعية التي أمرنا بها، بل هي كالشروط لمدد الله جل وعلا:
1)الاستغاثة بالله تعالى: كما في الآية آنفًا: {إذ تستغيثون ربكم} ، وكما في فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، لما طلع المشركون وتراءى الجمعان، قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم هذه قريش جاءت بخيلائها وفخْرِها، جاءت تُحادُك، وتُكَذِبُ رسُولكَ) ، وقام، ورفع يديه واستنصر ربه، وقال: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إِنَي أَنشُدُكَ، عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ) ، فالتزمه الصديق من ورائه، وقال: (يا رسول الله! أبشر، فوالذي نفسي بيده، لَيُنجِزَنَ الله لك ما وَعَدَكَ) [قطعة من حديث أخرجه مسلم] ، وفي رواية عن عمر رضي الله عنه: فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة يهتف بربه: (اللهم أنجزْ لي ما وعدتني. اللهم آتِ ما وعدتني .. ) [رواه مسلم في"الجهاد"/ 1763 باب: 18 / الإمداد بالملائكة في غزوة بدر] .
ومعلوم أن الدعاء عند التقاء الصفين سنة ماضية، وهو في هذا الموضع مقبول مجاب، كما في الحديث: (اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش) [رواه الشافعي، والبيهقي في"المعرفة"عن مكحول مرسلًا، وصححه الألباني في"الصحيحة"رقم 1469] .
2 و3 - الصبر، والتقوى: كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] فعلق هنا الفلاح على الصبر والتقوى، كما علق المدد عليهما هناك، وكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن النصر مع الصبر) [رواه أحمد 1/ 293، وأبو يعلى 2556، والترمذي 2516] ، وبالصبر تتضاعف قوة المؤمنين، وتكتب لهم الغلبة على عدوهم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [لأنفال: 65، 66] .