يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: 46] ، وقال: {لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} [الحشر: 14] .
ثم إن عصاة المؤمنين داخلون في هذا الإجمال، كل بحسب بعده عن الإيمان، فأقربهم اتصافًا بالضلال؛ أعظمهم جنونًا وخبلًا، ونقصًا في العقل والفهم.
لأجل ذلك فإنني لا أرى العقل إلا في صبي يواجه دبابة بنبل!! أو شيخ هرم - ربما قد خرف - تهتز يده بحجر، يريد ليصوبه في نحر عدو مغتصب!! أو فتاة في عمر الزهور تلقي ثوب عرسها وتلبس حزامًا ناسفًا لتثأر لأبيها أو أخيها!! أو عجوز تجلس منصتة لفلذة كبدها، يقرأ عليها وصيته الأخيرة، وهي تبتسم!! أو ضابط يخلع بزته ويلقي أوسمته؛ ليأتمر بأوامر مقاوم شاب لم يتخرج من كلية عسكرية!! أو قاض يتنحى عن منصة الحكم، معتزًا بشرف القضاء، منزهًا له أن يُمتطى؛ ليلتحق بصفوف المعارضة!! أو رئيس تحرير، يكون آخر ما يسجله بقلمه: استقالته من صحيفة لم تحترم عقيدة الأمة وثقافتها!!
هذا .. وإن خير دواء لما نعنيه من جنون هنا يكمن في طاعة الله جل وعلا، وإن أعظم الجنون وأشده إهلاكًا لأهله؛ المعصية، ولا دواء للمعصية إلا التوبة، ولا أعون على تركها من الذكر، وقد روي"أن أبا مسلم الخولاني كان كثير الذكر، فرآه بعض الناس، فأنكر حاله، فقال لأصحابه: أمجنون صاحبكم؟ فسمعه أبو مسلم، فقال: (لا يا أخي، ولكن هذا دواء الجنون) [1] ."
وكذا القلوب بذكركم بعد المخافة تطمئنُّ
جُنَّتْ بحبكمُ ومَنْ يهوى الحبيب ولا يُجنُّ؟
فيا أيها العاقل .. أترانا إلا مجانين؟ وهل ترانا نُشفى من جنوننا، ونكبح جماح الجنون بيننا ومِن حولنا .. إلا بأن نفعل كما فعل"رزام"؟
ولكن اعلم: أن جنوننا غير معفٍ لنا من التكليف، بل إننا ما جننا إلا بسبب ترك التكاليف، ونتيجة تملصنا من الواجبات، ولعلة إقرارنا لمظاهر الجنون.
(1) "جامع العلوم والحكم": (2/ 521) بتحقيق شعيب الأرناؤوط - ط: مؤسسة الرسالة - بيروت لبنان - 1417هـ - 1997م