إنه يلزم المفتي أن يكون عالمًا بالواقع مدركا له وإلا كان الخطأ لصيق فتياه.
قال ابن القيم رحمه الله:(ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات، حتى يحيط به علمًا.
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر) [1] .
-الوجه الأول: ترك الأصلين الكتاب والسنة كمصدرين للتشريع:
قال العلامة أحمد شاكر رحمه الله: (نرى في بعض بلاد المسلمين - ولو كان في زماننا هذا ما بعض- قوانين ضربت عليها، ونقلت عن أوربة الوثنية الملحدة، وهي قوانين تخالف الإسلام مخالفة جوهرية في كثير من أصولها وفروعها، بل إن في بعضها ما ينقض الإسلام ويهدمه، وذلك أمر واضح بديهي، لا يخالف فيه إلا من يغالط نفسه، ويجهل دينه أو يعاديه من حيث لا يشعر، وهي في كثير من أحكامها أيضا توافق التشريع الإسلامي، أو لا تنافيه على الأقل.
وإن العمل بها في بلاد المسلمين غير جائز، حتى فيما وافق التشريع الإسلامي، لأن من وضعها حين وضعها لم ينظر إلى موافقتها للإسلام أو مخالفتها، إنما نظر إلى موافقتها لقوانين أوربة أو لمبادئها وقواعدها وجعلها هي الأصل الذي رجع إليه، فهو آثم مرتد بهذا سواء أوضع حكمًا موافقًا للإسلام أم مخالفا ..
وقد وضع الإمام الشافعي قاعدة جليلة دقيقة في نحو هذا، ولكنه لم يضعها في الذين يشرعون القوانين عن مصادر غير إسلامية .. فقد كانت بلاد الإسلام إذ ذاك بريئة من هذا العار، ولكنه وضعها في المجتهدين العلماء من المسلمين، الذي يستنبطون الأحكام قبل أن يثبتوا مما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة، ويقيسون ويجتهدون برأيهم على غير أساس صحيح، فقال في كتاب الرسالة [رقم 178 بشرحنا وتحقيقنا] :"ومن تكلف ما جهل وما لم"
(1) إعلام الموقعين 1/ 87 - 88