الأول: أن عدم الإثبات ليس إثباتًا للعدم ثم إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يرون أن من قتل من المسلمين في قتال المرتدين قوم قتلوا في سبيل الله وأنهم شهداء.
فقد طالب أبو بكر رضي الله عنه المرتدين بديات من قتلوهم من المسلمين وقال لهم: (تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم) ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أن يدو قتلانا فلا، لأنهم قوم قتلوا في سبيل الله، واستشهدوا) [1] . وهذا يدل على أن الصحابة يرون قتال المرتدين جهادًا في سبيل الله.
الثاني: تسمية القرآن جهاد المرتدين جهادًا في سبيل الله وذلك في قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} .
وقتال المرتدين أولى من قتال من لم يقاتلنا من الكافرين، وفي هذا يقول ابن قدامة رحمه الله: (هؤلاء - أي المرتدون - أحقهم بالقتال، لأن تركهم ربما أغوى أمثالهم بالتشبه بهم والارتداد معهم) [2] .
والمرتد كافر بالله تعالى بل حكمه أشد من حكم الكافر الأصلي وعقوبته أغلظ.
قال الشوكاني: (وقد تقرر في القواعد الإسلامية أن منكر القطعي وجاحده، والعامل على خلافه، تمردا وعنادًا أو استحلالًا، أو استخفافًا كافر بالله) ، ثم يبين حكمهم فيقول: (وهؤلاء جهادهم واجب وقتالهم متعين حتى يقبلوا أحكام الإسلام، ويذعنوا لها) [3] .
فإذا كان الحاكم حاكما بغير شريعة الله مستبدلًا بها شريعة هواه فهو عامل بخلاف القطعي تمردًا أو عنادًا، فلا يشك في كفره من عرف شيئًا عن قواعد الشرع، بل ردة هذا ظاهرة جلية عندنا فيها من الله برهان، إذا كان ذلك كذلك فإن الخروج على من هذا حاله جهاد في سبيل الله ..
كذلك سماه الله وأيضًا رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو خير جهاد في هذا الزمان لأن جهاد الكافرين والمشركين وغيرهم لا يتم بل لا يحصل إلا به، فلنعم الجهاد ذلك الجهاد، ولنعم المجاهد من وفق إليه .. جعلني الله وإياك لذلك أهلًا.
(1) المغني لابن قدامة 10/ 73
(2) المغني 10/ 95
(3) الدواء العاجل في دفع العدو الصائل 34