-ثانيًا:
أن أخذ الشريعة على الوجه المأمور به شرعًا بل بأقصى ما تمتثلُ به - من جهة التمام والكمال والعزيمة وقوة الأخذ لأحكامها - هو عين المأمور به شرعًا، وهو ما كلف الله تعالى به أنبياءه وأتباعهم أو ندبهم إليه، كما في قوله لموسى عليه السلام: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف: 145] ، وقوله ليحيى عليه السلام: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] ، وقوله لبني إسرائيل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 63] .
وفي شريعتنا؛ يندبنا الشارع الحكيم إلى الأخذ بالعزائم، حيث جُوِزَتْ الرخص.
فيا للعجب أن نجد أكثر كلام المتكلمين عن التوسط والاعتدال يَنْصَبُّ على استنكار أخذ الدين بقوة، وربما ساقوا اعتراضاتهم أحيانًا وبحق في مقابلة التشدد، في حين يُقِلُّون من ذلك أو يُعدَمونه في مواجهة التساهل والتسيب، مع أن حَمْدَ التوسط يقتضي ذمَّ طرفي الإفراط والتفريط كليهما.
وفي محكم التنزيل: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11] ، و {عَلَى حَرْفٍ} : أي على شك، فهو على طرف من دينه غيرُ متوسط فيه ولا متمكن.
-ثالثًا:
أن التوسط الذي مرجعه تقديرات الناس - وهو ما لا يقع تحت طائلة الأحكام النصية - هو - على التحديد - الموضع الذي تنازع الناس فيه، ذلك إن شئت تحرير خلافهم في مسألة التوسط، وإنها للدائرة التي ينبغي أن يُحصر الخلاف فيها، وإلا جعلنا الأحكام الشرعية الثابتة بطريق النص أو الإجماع عرضة لأن تُرمى بالتشدد والغلو والخروج عن حد الاعتدال، ومن ثمَّ يُخضع التدينُ الإسلامي كله لتصورات الناس ومفاهيمهم، بل ولمناهج"الحداثيين"وأشباههم، لتجد دعوى"تجديد الخطاب الديني"موضعًا لها بين رؤوس بعض قومنا، وليبسط"الاعتدال"- بمفهومه"الحداثي"- هيمنته على أصول الدين فضلًا عن أحكامه.
والإشكالية هنا؛ أن"الاعتدال"- بمفهومه المحدث المروج له عن عمد وسوء نية - بات يمثل عقلية أو نفسية جديدة داخل صفنا الإسلامي، سيما مع ما ظهر من قدراته