السحرية على إفساح المجال أمام أصحابه، مما ساهم في كسر طوق الحصار المفروض على الإسلاميين، إعلاميًا وسياسيًا على الأقل، فكان في اعتماده لدى البعض مخرجًا من ذاك الحصار، متوافقًا مع ما استقر لديهم من منهجية الترخص والدوران مع المصلحة - وإن ضد النص - حيث دارت.
ولنعد إلى ما نحن فيه ...
لقد وُجِدَ في"الاعتدال"- بمفهومه الفضفاض - ضالة طالما تربص أعداء الإسلام بنا بغية اغتنامها، يريدون ليختلسوا بها تصورنا لشريعتنا شيئًا فشيئًا، وليتآكل إيماننا على إثر ذلك شيئًا فشيئًا ... وهل يُغوِي الشيطانُ ابنَ آدم إلا شيئًا فشيئًا؟
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة: 8] ، فأمر بالدخول في الإسلام كله، أي؛ في شرائعه جميعها، وبين أن الشيطان لعنه الله يستدرج المؤمنين إلى أودية غيه خطوة خطوة.
وفي موضع آخر قال عز من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21] ، وقال: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ* إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 168 - 169] ، فبين أن عدو الله والمؤمنين لا يكتفي بإيقاع عباد الله في حبائله ومصائده حتى يبلغ بهم أن يتكلموا بمراد الشيطان، ويفتوا به، ويدعوا إليه ويقولوا على الله ما لا يعلمون.
وقد أحاطت فضائياتنا نفسها بدوائر حمراء متداخلة، بينما أضفت على تلك الدوائر مسحة"الاعتدال"المزعوم، ومن ثَمَّ لا تَمنحُ جوازَ مُرورٍ إليها أو تأشيرةَ دخول إلى دوائرها تلك إلا مَن كان من"المعتدلين"! وكلما دلف أحد الطيبين إلى الدائرة الأوسع، ورأى ما هنالك من مصلحة دعوية تتمثل في خطابه المتابَع من ملايين الناس - مشاهدين أو سامعين أو قارئين -؛ راودته الإعلاميات والفضائيات عن دخول دائرتها الأضيق، وحصرته في ركن التخير بين أمرين اثنين لا ثالث لهما: إما أن يقبل بالدخول في تلك الدائرة الأشد اختزالًا للشريعة المطهرة، طبقًا لمفهوم"الاعتدال"الفضفاض المتآكل الآخذ في التضاؤل، وإما أن يُسلب المصلحة الدعوية شديدة الإغراء - مخاطبة الملايين - ومن ثم يفقد لقبَ"المعتدل"، فينبذ مع"المتشددين"، ويُعاد منفيًا إلى المناطق المعتمة من المشهد الإعلامي"المستنير".