الصفحة 80 من 154

مشكلتنا الكبرى: أننا لا نفطن - أو لا نريد أن نفطن - إلى الحقائق إلا بعد فوات الأوان، ونرجئ ونؤجل، ويأبى علينا تشبعنا بالحكمة، ولم نؤتها، أن نصرخ بتلك الحقائق الجلية، وكأننا نخشى إيقاظ وعي الناس، لا لمقصد مقنع، ولكن لمجرد حسابات تتصل بـ"المكتسبات"أو الانتماءات، ثم ترانا نتسلى ونتعزى بفتات ومسكنات ومؤتمرات ... وهو ما لا يُغني جسد الأمة المنهك الذي لم تبرح الأمراض تفتك به، وستبقى كذلك - لا سمح الله - ما بقيت تحت وطأة الاستبداد والخيانات وأنظمة التحكم عن بعد.

إذًا يمكنك أن تحذف من المصطلح"الحكومة [ ... ] المعينة من قبل الاحتلال"كلمة"العراقية"، لينطبق المعنى على أي حكومة أخرى من هاتيك الحكومات التي ارتمت في أحضان أعدائنا، وليس يهم، بعد ذلك، وسيلة التعيين أو الحماية أو التثبيت ... فهي مجرد شكليات وتوزيع للأدوار ...

أجل والله ... فلا فارق بين دبابة تقف في قلب العاصمة، وبين أخرى ترابط في عمق الصحراء، طالما أن المهمة واحدة.

بل لا فارق بين جيش أجنبي ذوي سحن شقراء، وبين جيش"وطني"ذوي سحن سمراء، طالما كانت مهمة كليهما؛ حماية الحاكم العميل الخائن أو السلطان المستبدل المستبد، وتمكين شريعة البشر على حساب شريعة رب العالمين - اللهم إلا في بعض ما يتصل بذلك من أحكام فقهية ومسائل شرعية -

إن الغرب يدرك الآن أكثر من أي وقت مضى: أنه لن يجد - في تجاربه معنا على مدار التاريخ - من يؤدي مهماته، ويحقق مصالحه، ويقضي مآربه ... مثل حكومات محلية، تتفوق عليه هو نفسه فيما يطمح إليه، وتوفر له كلفة الاحتلال السافر وما يستتبعها من ضغوط شعبية في بلاده، وليقتل بعضنا بعضًا، ويسبي بعضنا بعضًا [1] ، مع بقاء الأمر أشد التباسًا مما يريد علماء السوء أن يجعلوه في العراق، فـ"الحكومة وطنية"، والنظام"شرعي"، والمقاومة"فوضى"، و"تمرد"، و"إرهاب"، و"تخريب"، و"حرب أهلية"أو"طائفية"، و"خروج على"الشرعية"، و"مخالفة لولي الأمر"... ثم هي"نقض لمعاهدات حكوماتنا مع

(1) صح من حديث ثوبان أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ... وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا) [من حديث أخرجه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، 5) باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، ح7440] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت