والثاني: عدم مصادمة النص - قطعي الدلالة كان أو ظنيها - ورفض تسويغ العمل بالمصلحة في مواجهته.
والثالث: أن الاستثناء في ترك الامتثال - فعلًا وتركًا - مقيد بالاعتقاد، أي أن المصلحة لا تجيز تغيير القناعة الإيمانية حال إباحة ترك مقتضاها - حتى في مسائل الفروع - وأشبه التمثيل للمراد يتضح في قول الله تعالى: {لا يَتَّخِذُ الْمُؤْمِنُونَ الكَافِرينَ أَوْلياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ} ، أي: يحذركم من أن تميل قلوبكم إلى الكفار حال العمل بالتقية ... فالإفتاء بمقتضى المصلحة أو الضرورة؛ لا يلغي أصل الحكم وإن أوقف تطبيقه.
على أنه لا ينبغي الاتكاء على القواعد الشرعية وحدها دون دليل شرعي، فضلًا عما يصادم الدليل ويبطله.
وأكتفي هنا - في التدليل على بعض ما تقدم، سيما ضابط استخدام القواعد - بإيراد نصين هامين لعلمين من أئمتنا الأصوليين عليهم رحمات رب العالمين.
ذلك أن القواعد الشرعية غير مطرد العمل بها في كل ما يمكن أن يندرج تحتها من مفردات، إذ إنها ليست بكلية، ومن ثم فإن أحكامها لا تنطبق على كل جزئية من جزئياتها، بل الأمر فيها بالنسبة للفروع هو على الأعم الأغلب.
ولذلك يقول العلامة ابن نجيم رحمه الله: (لا يجوز الفتوى بما تقتضيه القواعد والضوابط، لأنها ليست كلية، بل أغلبية) [1] .
والمقصود؛ أنهم لا يعتمدون في الفتوى على واحدة من هذه القواعد دون استناد إلى دليل صريح فيما يفتون به، وكذلك لم يعرف عنهم أنهم يطرحون الدليل بالكلية اعتمادًا على قاعدة وحدها - كما فعلت"المراجعات"في استدلالها بالمصلحة -
وأصل هذا؛ أن وظيفة القواعد هي ضبط العمل بالنصوص، ورسم مناهج الاستنباط منها، وترسيم حدودها التي تعمل فيها، فهي خادمة للنصوص وتكميلية لها، ثم هي أصلًا مأخوذة عنها، أي مستخرجة منها بناء على استقراء عام لمجمل هذه النصوص، فلا يستقيم أن ترجع على أصلها الذي أخذت عنه - والذي هي مكملة له - بالإبطال.
(1) وانظر"القواعد الفقهية"للنووي: 292.