لا والله لا يغني الكلام عن العمل، ولا سكب المداد عن بذل الدماء ... فلتذهب مهج ذهابها هو الحياة ... حياة هي الدين والشرف، والعزة والكرامة ... وإلا فما معنى الحياة؟ وما قيمة العافية بلا دين وشرف وعزة وكرامة؟
ويقولون: واقع الأمة مزرٍ ... وأبناؤها غير مؤهلين ... والناس على لذاتهم ودنياهم عاكفون!
نعم ... لقد ضعف في الناس وازع الإيمان، وحيل بينهم وبين الالتزام الحقيقي بالإسلام، وصرف كثير منهم إلى غير ما خلقه الله له، تجهيلًا أو تفسيقًا أو إلهاء ... فانساقوا إلى غايات تافهة أو سافلة أو ظالمة، مجاراة للملأ والسادة، أو اتباعًا لمناهج مبتدعة منحرفة، أو تحيزًا لأحزاب ضالة عمية، أو ولاءً لأعداء الأمة وأشياعهم.
ولكن أليس إذا ضعف في الناس وازع الإيمان؛ عُوِضَ عن ضعفهم بعظمة المثال؟ وأي مثل أعظم وأبلغ من عالم عامل بعلمه، مبتلى في سبيله، باذلٍ دنياه ضريبة بخسة من أجله؟ ... وبأهل العلم أنيط الاقتداء ... قال تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذيِنَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} ، وأولوا الأمر هنا؛ هم العلماء، كما يقوله جمهور المفسرين.
هذه الطاعة التي أوجبها الله لأهل العلم إنما تجود بها النفوس أمام روعة المثال، حينما يكون للعالم نفوذ أدبي على تلك النفوس، نفوذ أدبي ساحر، وقبول قلبي آسر - وتلك هي حقيقة الولاية التي استحقوا بها أن يعدوا هم ولاة الأمر، كما قال الجمهور - ولا سبيل يُرجى لذلك إلا بأداء العالم الأمانة التي حملها ورعايته إياها حق رعايتها، على أن حجم النفوذ المنشود لا ينبغي أن يكون دون ما يُمَكِنه من التأثير والتحريك والتغيير.
والحق أننا لن نبدأ من الصفر، فإنه لم يزل في الأمة إجلال لأهل العلم والدين، - على الرغم مما ألحقه العلماء المفتونون بشخصية رجل العلم من عار، والصادقون منه براء - والناس لا يمنحون ذلك الإجلال إلا من صان نفسه عن المخالفة، فضلًا عن التهتك والانحلال، ونأت به أنفته عن غشيان أبواب السلاطين، فضلًا عن تملقهم والالتحاق ببطانتهم، وحملته نفس أبية على الصدع بالحق وإن كان مرًا لا يخاف في جنب الله لومة لائم، فضلًا عن ترك السكوت على باطل أو الإقرار على منكر.
فلا تعجب وقد تأخر علماء الأمة أن يتأخر عمومها ... ولا تعجب وقد قنع الدعاة بمنابرهم أن يقنع الناس ببيوتهم ... ولا تعجب وقد حُبست كلمات المفتين في كتبهم أن تُحبَس ألسنة المستفتين في أفواههم.