يكون الدين كله لله، كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [1] . ففي القتال إتلاف للنفوس، وإتلاف النفوس مفسدة، لكن اعتبار الدين مقدم على اعتبار النفوس، وقد نص جماهير الأصولين على أن مصلحة الدين مقدمة على مصلحة النفس عند التعارض، وأن ما يكون من إتلاف النفوس في القتال المشروع هو من هذا الباب [2] .
وقد بنى بعض المحققين من أهل العلم على هذا الأصل أن المباح من إتلاف النفوس في حال الحرب، هو ما تندفع به المفسدة التي تعرض للدين ما لم تتلف هذه النفوس، مما يكون به دفع الفتنة، وكسر شوكة المحاربين للدين.
وفي هذا المعنى يقول ابن دقيق العيد (( ت: 702 هـ) :"الأصل عدم إتلاف النفوس، وإنما أبيح منه ما يقتضيه دفع المفسدة، ومن لا يقاتل ولا يتأهل للقتال في العادة ليس في إحداث الضرر كالمقاتلين فرجع إلى الأصل فيه وهو المنع" [3] .
ويقول أبو العباس بن تيمية (( ت: 728 هـ) :"ذلك أن الله تعالى أباح من النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق، كما قال تعالى:"والفتنة أكبر من القتل"، أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد، ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه - فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه" [4] .
ويقول الشاطبي (( ت: 790 هـ) :"كالجهاد ليس مقصودة إتلاف النفوس، بل إعلاء الكلمة، لكن يتبعه في الطريق الإتلاف من جهة نصب الإنسان نفسه في محل يقتضي تنازع الفريقين" [5] .
ويقول الزيلعي (( ت. 743 هـ) :"الآدمي خلق معصوم الدم ليمكنه تحمل أعباء التكاليف، وإباحة القتل عارض بحرابة، لدفع شره، ولا"
(1) سورة البقرة آية 193.
(2) انظر: الغزالي، المستصفى (174) ؛ الرازي، المحصول (5/ 160) ، الآمدي، الإحكام (3/ 274، 275) ، السلمي، عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 32) ، الأصفهاني محمود بن عبدالرحمن، بيان المختصر، شرح مختصر ابن الحاجب (3/ 114) ؛ الشاطبي، الموافقات (2/ 265) ، المرداوي، علي بن سليمان، التحبير شرح التحرير (3/ 143،144) .
(3) انظر: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (2/ 310) .
(4) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (28/ 355) .
(5) انظر: الموافقات (1/ 376) .