الصفحة 32 من 78

خالطوا الناس ما لم يقاتلوا أو يعينوا برأي أو تحريض، وهذا هو المعتمد في مذهب الحنابلة [1] .

واستدل أصحاب القول الأول على اشتراط عدم المخالطة بأدلة منها:

1.ما جاء في وصية أبي بكر - رضي الله عنه - حيث وصف الرهبان المنهي عن قتلهم بقوله:"حبسوا أنفسهم"أما المخالطون فقد أشار إلى حكمهم في قوله:"وستجد قومًا قد فحصوا عن أوساط رؤوسهم من الشعر وتركوا منها أمثال العصائب فاضربوا ما فحصوا عنه بالسيف" [2] وقد كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - يقتل الشمامسة من العدو، ويقرأ قوله تعالى:"فقاتلوا أئمة الكفر" [3] . [4] .

2.أن الرهبان المخالطين للناس في معاشاتهم وتجاراتهم وأموالهم، لا يتميزون عن غيرهم إلا بما يغلظ كفرهم [5] .

ولم أجد استدلالًا خاصًا لأصحاب القول الثاني، وهم جمهور الحنابلة على عدم اشتراط المخالطة إلا أنه يمكن الاستدلال لهم بأن الأدلة على منع قتل الرهبان، وأصحاب الصوامع لم تشترط العزلة التامة، وعدم المخالطة أبدًا، وما جاء في وصية أبي بكر - رضي الله عنه - في وصف الرهبان بحبس أنفسهم في الصوامع فهو محمول على الغالب، فيكفي في ذلك أن يكون غالب أمرهم عدم المخالطة.

الترجيح: لعل الراجح - والله أعلم - هو اشتراط قدر من العزلة وعدم المخالطة تجعل هؤلاء الرهبان والمنقطعين في الصوامع يفارقون حال بقية الناس، وأما المخالطة اليسيرة لما لابد لهم منه من بلغة العيش فلا تؤثر في رفع حكم لحماية عنهم، وذلك لعموم الأدلة التي دلت على منع قتل الرهبان، والمناط فيها هو أن هؤلاء يتركون القتال تعبدًا، ولا يخشى على المسلمين من نكايتهم وضررهم لا باليد ولا القول، أما إذا أخرجتهم المخالطة عن هذه الحال، فصاروا يشاركون الناس في دنياهم، ويتأهلون للقتال فلا

(1) أطلق القول بمنع قتلهم من غير اشتراط عدم المخالطة، ابن قدامة في المغني (13/ 178) ، وفي المقنع (10/ 71) مع الشرح الكبير، والمجد بن تيمية في المحرر (2/ 172) ، وجزم المرادوي أنه هو المذهب في الإنصاف (10/ 69) .

(2) تقدم تخريج وصية أبي بكر - رضي الله عنه - ص 22، 29.

(3) سورة التوبة آية (12) .

(4) أخرجه سعيد بن منصور في السنن (2/ 282) والشمامسة هي: قوم من أهل الكتاب من أولاد هارون عليه السلام من رؤساء النصارى، تركوا شعورًا كالعصائب يصدر الناس عن رأيهم في القتال ويحثونهم عليه، انظر: الأزهري، تهذيب اللغة (11/ 206) : السرخسي، شرح السير الكبير (1/ 41) .

(5) انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى (28/ 661)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت