الصفحة 36 من 78

ويمكن ان يجاب عن هذا الاستدلال بأن يقال: إن الأجراء والعسفاء والمستخدمين إنما يستثنون من القتل ويحمون من القصد بالأعمال الحربية إذا لم يقاتلوا، ولم يعينوا على القتال، وكانت الأعمال التي يقومون بها مما لا علاقة له بالقتال، أما إذا كانوا مستخدمين في أمور لها علاقة بالقتال وحملوا السلاح، أو ظهر ما يدل على اشتراكهم في القتال أو معاونتهم للمقاتلين برأي أو تحريض، فإنهم حينئذ غير محميين، وهم هدف مشروع للأعمال الحربية [1] .

الترجيح: مما تقدم يظهر - والله أعلم - أن القول الراجح هو القول الأول وهو أن العسفاء والأجراء والتابعين للخدمة وأعمال لا علاقة لها بالقتال محميون من القتل ولا يجوز استهدافهم وقصدهم بالقتل أو الرمي؛ ما لم يشتركوا في القتال أو يعينوا عليه بيد أو قول، وذلك لقوة ما استدل به أصحاب هذا القول وصحة الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في استثنائهم من القتل وهو معتضد بدلالة قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} ، والعسفاء والأجراء إذا كان همهم أداء الأعمال الممتهنة التي لا تؤثر في الحرب لا يكون منهم قتال في العادة، كما أن القياس الصحيح يؤيد هذا القول، ولضعف استدلال أصحاب القول الثاني.

سادسًا: العبيد:

العبيد المرافقون لمواليهم في الجيوش للخدمة، والقيام بما يؤمرون به من أعمال ممتهنة لا علاقة لها بالحرب داخلون في معنى العسفاء والأجراء والمستخدمين في المسألة السابقة فيصدق عليهم أنهم تابعون للخدمة ومع ذلك أفردهم بعض الفقهاء بمزيد تفصيل وذكر، فكان فيهم من ناحية الحماية من القتل والقصد به قولين:

القول الأول: أن العبيد المرافقون للجيش لا يقتلون ولا يقصدون بالقتل، إذا لم يقاتلوا مع مواليهم، وهذا قول محمد بن الحسن في السير الكبير [2] . وقال به متأخروا الشافعية [3] ، وقال به ابن قدامة ومن تبعه من الحنابلة [4] ، وذكر القرافي نحوه عن المالكية في عبيد الرهبان [5] .

(1) انظر: ما تقدم في معنى العسيف وضابط الأجراء المعنيين هنا ص 33، 34.

(2) انظر: السرخسي، شرح السير الكبير (5/ 1809) .

(3) انظر: المارودي، الأحكام السلطانية (7) ؛ الأنصاري، زكريا بن محمد، فتح الوهاب (2/ 210) ، الهيتمي، تحفة المحتاج (9/ 240) ؛ الشربيني، مغني المحتاج (6/ 30) ؛ الرملي، نهاية المحتاج (8/ 64) .

(4) انظر: ابن قدامه، المغني (13/ 179) ؛ المقدسي، الشرح الكبير (10/ 72) ؛ الزركشي، شرح مختصر الخرقي (6/ 549) ؛ المبدع (3/ 294) .

(5) الذخيرة (3/ 399) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت