واستدل أصحاب القول الثاني بمثل ما استدل به على جواز قتل الزمنى والأجراء. [1] .
الترجيح: مما تقدم يظهر - والله أعلم - رحجان القول الأول وهو القول بحماية الفلاحين وأرباب الحرف والصناع المشتغلين بأعمالهم وحرفهم وكسب معاشهم عن القتال والمنقطعين في أماكن عملهم وفلاحتهم عن شؤون الحرب، فلا يقاتلون ولا يتأهلون للقتال ولا يعنينون عليه لعموم دلالة قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [2] ، وذلك لقوة ما استدلوا به من الآثار، وأثر عمر - رضي الله عنه - صريح في ذلك، ويزيد بن أبي زياد وإن كان فيه مقال فحديثه ليس بمتروك، وهو معتضد بالقياس الصحيح على من لا يقاتلون كالنساء و الصبيان والرهبان، ولضعف أدلة القول بجواز قتلهم لما ورد عليها من الاعتراضات.
ثامنًا: التجار: التجار المنشغلون بتجاراتهم، الذين لا يهمهم شأن الحرب، ولا يتهيأون لها، فلا يشتركون فيها ولا يعينون عليها، إذا لم لقيهم الجيش المسلم في أرض الحرب، فما حكم قتلهم وقصدهم بما يقتل؟ لم يفرد هذه المسألة أكثر الفقهاء بيان خاص [3] .
وإن كان الظاهر أن هؤلاء التجار معدودون من أصحاب الحرف، وداخلون في حكم الفلاحين والمحترفين والصناع الذين تقدم ذكرهم في المسألة السابقة؛ لأن القياس الذي احتج به الفقهاء الذين حكموا بحماية الفلاحين والمحترفين ينطبق على التجار.
(1) انظر: أدلتهم وما ورد عليها من اعتراضات صـ 27.
(2) سورة البقرة آية رقم 190، وانظر ما تقدم من تفسير ابن عباس (ص 21.
(3) تحدث الفقهاء عن مسألة أخص في حماية التجار، وهي حمايتهم في بلاد المسلمين، أو أطرافها، إذا دخلوا بغير أمان، فاختلف الفقهاء فيهم على قولين: القول الأول: أنهم آمنون بشرط أن يكون معهم متاع يبيعونه، وكان من عادة التجار أنهم يدخلون بلاد المسلمين بغير أمان، فيكون ذلك بمثابة الأمان لهم حتى تنقضي حاجتهم، وهذا هو قول الحنابلة، وقول عند المالكية. القول الثاني: أنهم لا يمكنون من الدخول بغير أمان، ولا يقبل ذلك منهم، وحكمهم للإمام ن شاء قتل وإن شاء استرق عفى، وهذا هو المشهور عند المالكية، وهو مذهب الشافعية، إلا أن المالكية استثنوا ما لو ادعوا أنهم ظنوا أن المسلمين لا يردون التجار فإنهم يردون إلى مأمنهم ولا يقتلون. انظر: الإمام مالك، المدونة (1/ 501) ؛ ابن رشد، البيان والتحصيل (2/ 607) ؛ القرافي، الدخيرة (3/ 400) . والشافعي، الأم (4/ 217) ؛ المزني، المختصر (8/ 385) ؛ الماوردي، الحاوي الكبير (14/ 339) ؛ وابن قدامه، المغني (13/ 236) ؛ المقدسي، الشرح الكبير (0/ 358) ؛ ابن مفلح، المبدع (3/ 365) ؛ البهوتي، شرح منتهى الإرادات (1/ 654) .