إلا أن حكم التجار جاء ذكره عند بعض المحدثين، وذلك لورود أثر عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنه -، فيه ما يفيد حماية التجار من القتل، وهو قوله - رضي الله عنه:"كانوا لا يقتلون ُتجَّار المشركين" [1] .
فقد بوَّب عليه من خرجه من المحدثين ما يفيد أنهم فهموا منه حكم منع قتل التجار في حال الحرب، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في باب من ينهى عن قتله في دار الحرب، وأخرجه البيهقي في باب ترك قتل من لا قتال منه من المشركين.
فهذا الأثر عن جابر دليل على أن التجار داخلون في حكم الحماية من القتل أو الاستهداف بالرمي؛ ما لم يقاتلوا و يعينيوا.
وقد ذهب ابن حزم (إلى عدم استثناء التاجر من القتل، وأنه داخل في عموم قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [2] .
وأجاب ابن حزم (عن أثر جابر - رضي الله عنه - بجوابين:
الأول: أن جابرًا - رضي الله عنه - لم يقل إن ترك قتلهم كان في دار الحرب، وإنما أخبر عن جملة أمرهم.
الثاني: أن ليس فيه النهي عن قتل التجار، وإنما فيه أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يختاون ترك قتلهم [3] .
ويجاب عن اعتراض ابن حزم (الأول: بأن ظاهر كلام جابر - رضي الله عنه - أن الصحابة كانوا يتركون قتل المشركين في دار الحرب، كما كانوا يتركون قتل الفلاحين، وهو ما فهمه العلماء الذين خرجوا الأثر.
وأما الاعتراض الثاني، فيقال: أن الظاهر هو أن تركهم قتل التجار كان عن رأي رأوه بمنع قتلهم، وهذا الظاهر معتضد بأدلة أخرى كالنهي عن قتل العسيف والشيخ الهرم والراهب
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (6/ 484) ، والبيهقي في السنن الكبرى (9/ 155) ، من طريق الأشعت عن أبي الزبير عن جابر، وأخرجه أبو يعلى في المسند (3/ 427) ، من طريق حجاج بن أرطاة عن أبي الزبير بلفظ:"كنا لا نقتل تجار المشركين على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"وقال في مجمع الزوائد (4/ 73) عن طريق أبي يعلى:"رواه أيو يعلى وفيه حجاج بن أرطاة وهو مدلس"، وبقية رجاله رجال الصحيح. وطريق ابن ابي شيبة والبيهقي ذكره ابن حزم في المحلى (5/ 349) ، ولم يعله.
(2) سورة التوبة آية (5) .
(3) انظر: ابن حزم، المحلي (5/ 348) .