فليتحللَّه منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخِذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه) أخرجه البخاري [1] .
وإن كان عجزه بغير تفريط منه، كمن احترق ماله أو غرق، أو كان الإتلاف خطأ مع عجزه عن ضمانه، ففي إشغال ذمته به، وأخذ أصحابه من حسانه نظر [2] ، وقد يستأنس لذلك بحديث: (وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا فمظالم العباد بينهم) أخرجه أحمد [3] .
قال الطيبي: قوله: (لا يترك) يؤذن بأن حق الغير لا يهمل قطعًا، إما بأن يقتص من خصمه، أو يرضيه الله عنه [4] . اهـ.
القسم الرابع: ما وجب تبعًا لغيره، وهو نوعان:
أحدهما: ما كان وجوبه احتياطًا للعبادة ليتحقق حصولها، كغسل المرفق في الوضوء، فإذا قطعت اليد من المرفق هل يجب غسل العظم الذي هو طرف العضد؟ وجهان في مذهب الحنابلة، والمنصوص عن الإمام أحمد وجوبه، وهو قول جمهور العلماء [5] .
وإن كان من فوق المرفق سقط الغسيل لعدم محله، كإمساك جزء من الليل في الصوم، لا يلزم من أبيح له الفطر بالاتفاق كالمريض والمسافر [6] .
ثانيهما: ما وجب تبعًا لغيره على وجه التكميل واللحوق، كرمي الجمار والمبيت بمنى لمن فاته الوقوف بعرفة، فإنه لا يلزمه ذلك في وقول جمهور العلماء، بل حكي إجماعًا [7] ، لأمر عمر بن الخطاب أبا أيوب رضي الله عنهما، لما فاته الحج أن يصنع ما يصنعه المعتمر، يتحلل من الحج، أخرجه مالك في"الموطأ" [8] .
(1) (2449) عن أبي هريرة، وأخرجه من حديثه مسلم (2581) بمعناه وسياق أطول.
(2) بدائع الفوائد (4/ 34) .
(3) (6/ 240) ، وأخرجه الحاكم (4/ 575) ، والبيهقي في الشعب (7473) عن عائشة مرفوعًا وأوله: (الدواوين عند الله عز وجل ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفر الله عنه شيئًا) قال الحاكم:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه"وتعقبه الذهبي بأن صدقة ضعفوه، وابن بابنوس فيه جهالة. وله شاهد من حديث سلمان مرفوعا بمعناه أخرجه الطبراني (6133) ، ولحاله حسن الحديث سعد الحميد في تحقيقه لمختصر استدراك الذهبي لابن الملقن (حديث 167) .
(4) نقله عنه المناوي في فيض القدير (3/ 553) .
(5) انظر: الحاوي للماوردي (1/ 113) ، والكافي لابن عبد البر (1/ 167) ، والأشباه والنظائر للسيوطي (ص 293) .
(6) انظر: المغني (1/ 173 - 175) ، وتحفة أهل الطلب (ص 9 - 10) ، والحاوي للماوردي (1/ 113) .
(7) انظر: المغني (5/ 425) ، وشرح كتاب الحج من العمدة (2/ 656) ، ونهاية المحتاج (3/ 370) ، وبداية المجتهد (5/ 468) ، وفتح القدير (3/ 136) .
(8) (1/ 383) ، وعنه الشافعي (1104) ، والبيهقي (5/ 174) ، وصحح إسناده الألباني في الإرواء (1132) .