القسم الخامس: ما كان جزء عبادة، وليس عبادة مشروعة في نفسه بانفراده، أو هو غير مأمور به لضرره.
فالأول: كإمساك بعض اليوم لمن عجز عن إتمامه، فلا يلزمه بلا خلاف [1] .
والثاني: كعتق الرقبة لو قدر على بعضها، وعجز عن رقبة كاملة، لم يلزمه عتق البعض، ولهذا شرع السراية والسعاية [2] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (ليس لله شريك) أخرجه أبو داود [3] . ولقوله تعالى: (فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ) [المجادلة: 4] ، والقادر على بعض الرقبة غير مستطيع تحرير رقبة فينتقل إلى الصيام، ثم إلى الإطعام [4] .
القسم السادس: ما كان جزءًا من العبادة، وهو عبادة مشروعة في نفسه، فهذا منه ما يجب أداءً المقدور منه قطعًا، ومنه مالا يجب، ومنه ما هو مختلف فيه.
فأما ما يجب فيه أداء المقدور منه قطعًا، فكمن قدر على قراءة بعض الفاتحة وعجز عن باقيها، وكذلك من قدر على القيام في الصلاة دون الركوع والسجود، أو دون القراءة. وأيضًا يدخل فيه: من وجد بعض ما يستره في الصلاة، ومن قدر على بعض غسل الجنابة، ومن تمكن من بعض أعمال الحج بنفسه، فعل ذلك كله، ومن كان محدثًا وعليه نجاسة، ولم يجد إلا ما يكفي أحدهما فعليه غسل النجاسة [5] .
وأما ما لا يجب قطعًا كما إذا أوصى بثلثه أن يُشتَرى به رقبة، فلم يف بها، لا يشتري به شقص، أي: جزء مملوك [6] .
وأما ما اختلف في وجوبه، فكالعاجز عن تكميل الصاع في زكاة الفطر، فالمذهب عند الحنابلة ومنصوص الشافعي أنه يلزمه إخراجه، وفي وجه عند أصحابه ورواية أخرى عند الحنابلة لا يلزم [7] .
وأيضًا من وَجَد بعض ما يكفيه لوضوئه أو غسله، لم يستعمله بل يتيمم في قول أبي حنيفة ومالك والشافعي في القديم، وفي الجديد عنده أنه يلزمه استعماله وقد نص عليه الإمام أحمد في الاغتسال، ولأصحابه في الوضوء وجهان [8] .
ومن لا يقدر على خفض رأسه في السجود لمرض أو غيره فهل له أن يجعل وسادة يضع
(1) انظر: بدائع الفوائد (4/ 30) ، والأشباه والنظائر للسيوطي (ص 295) ، وتحفة أهل الطلب (ص 10) .
(2) السراية: الحكم بسريان عتق باقيه تبعًا لعتق بعضه السابق، والسعاية: أن يكلف العبد الاكتساب والطلب حتى يحصل قيمة نصيب الشريك الآخر، فإذا دفعها إليه عتق. هكذا فسره جمهور القائلين بالاستسعاء (شرح مسلم للنووي 10/ 136) .
(3) (3933) ، وأخرجه أيضًا النسائي في الكبرى (4970 - 4972) ، وأحمد (5/ 75) عن أسامة بن عمير الهذلي وقواه الحافظ في الفتح، وصححه الألباني في الإرواء (1522) .
(4) انظر: الأشباه والنظائر لابن الوكيل (1/ 387) ، وبدائع الفوائد (4/ 31) ، وتحفة أهل الطلب (ص 0 1) .
(5) انظر هذه المسائل في: المغني (1/ 152، 2/ 159) ، والمجموع المذهب (1/ 248) ، وجامع الأمهات (ص 96) ، والروض المربع (3/ 271) ، والكافي لابن عبد البر (1/ 239) ، والغاية القصوى (1/ 285) ، وكشاف القناع (1/ 163) والوجيز للغزالي (1/ 20) ، وبدائع الفوائد (4/ 30) والأشباه والنظائر لابن الوكيل (1/ 386) ، وتحفة أهل الطلب (ص 11) .
(6) انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي (ص 295) .
(7) انظر: الحاوي للماوردي (3/ 374) ، والمغني (4/ 310) .
(8) انظر: الحاوي للماوردي (1/ 283) ، والمغني (1/ 315) ، وجامع الأمهات (ص 66) .