إن الاجتهاد ضروري في هذا العصر، وأهميته واضحة لحياتنا الإسلامية المعاصرة، وحتى يستطيع الفقه الإسلامي مواكبة العصر ويكون قادرًا على علاج المشكلات والنوازل المتجددة وفقًا لأصول الشريعة الإسلامية ومقاصدها"لا بد وأن نضع له المنهج القويم الذي يحكمه، ونوضح المعالم والضوابط التي تنظم سيره وتحدد غايته وتضبط طريقه ..." [1] .
إن الذي ينظر في النوازل لابد وأن يكون مسلحًا بشروط الاجتهاد التي ذكرناها سابقًا، كما أنه لابد وأن يكون مستحضرًا لعدة أمور أخرى مثل: فهم واقع المسألة، وإعطاؤها حقها من الاستيعاب والاستيضاح، والاستعانة بأهل الخبرة والاختصاص، وفهم مقاصد الشريعة في النازلة، وتحقيق المصالح التي لا تصدم بالشرع، ومبدأ رعاية الضرورات والأعذار وغير ذلك من القواعد والمبادئ.
إن هذه القواعد التي سنذكر بعضًا منها ستساعد المجتهد في الوصول للحكم الصحيح للنازلة -بإذن الله وتوفيقه-، وبالتالي نضمن فيها إذا التزم المجتهد بها أن الاجتهاد المعاصر يسير في الطريق الصحيح الذي رسمه الإسلام للاجتهاد والفقه والفتوى بعيدًا عن الخطأ والزلل.
وفيما يلي أهم المعالم والضوابط للاجتهاد والنظر في النوازل المعاصرة:
إذا وقعت حادثة أو نازلة جديدة: فعلى المجتهد إذا أراد النظر فيها أن يستجمع كل ما يتعلق بها من: آيات قرآنية وأحاديث نبوية وآثار السلف، وأوجه القياس الممكنة، ونواح لغوية، ويبحث عن حكم القضية المستجدة في اجتهادات الأئمة وكتب الفقه القديمة.
يقول الإمام الشافعي:"ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالما بما مضى قبله من السنن وأقاويل السلف وإجماع الناس واختلاف العلماء ولسان العرب ويكون صحيح العقل ليفرق بين المشتبهات، ولا يعجل، ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه ليتنبه بذلك على غفلة إن كانت، وأن يبلغ غاية جهده، وينصف من نفسه حتى يعرف من أين قال ما قال ..." [2] .
وقال علي بن الحسن بن شقيق سمعت عبد الله بن المبارك يُسأل: متى يسع الرجال أن يفتي؟، قال: إذا كان عالم بالأثر بصيرًا بالرأي" [3] ."
(1) الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط: د يوسف القرضاوي، ص 87.
(2) الرسالة: الشافعي، ص 510.
(3) جامع بيان العلم وفضله 2/ 47.