لذا نرى كيف أن المفتين استندوا إليها في فتاواهم واستشهدوا بها في كتبهم، وأيدوا أجوبتهم بمضمونها، أو باقتباس منها في عبارتها أو أجابوا بها نفسها ناسبين أجوبتهم إلى أصحابها [1] .
إن فقه النوازل يختلف عن تلك الافتراضات النظرية فهي مسائل واقعية تحدث للناس وكل متلهف لمعرفة حكمها الشرعي.
كما تتميز المسائل المتعرض لها في فقه النوازل بالتعقيد وكثرة تشابكها ودقة فهما وصعوبة حل معضلاتها، لذا فهي تحتاج إلى مزيد جهد وإلى إمعان نظر وعدم التسرع في الحكم والاجتهاد فيها.
كما أن أكثر هذه المشكلات والقضايا المطروحة قد سببت الحرج والضيق بمن نزلت بهم وهم في حاجة ماسة إلى من يجيبهم عن تلك المسائل وإلى من يرفع الحرج عنهم بالاجتهاد والفتوى
لفقه النوازل فوائد تتعلق بصفة المسائل الواقعية التي تعرض صورا من المجتمع الذي نزلت فيه النازلة، وله فوائد تتعلق بالفتوى أو الحكم الشرعي، وله فوائد تعود على الفقيه المجتهد الناظر في الواقعة وفيما يلي ذكر لهذه الفوائد:
1 -أنه من العلوم الهمة والفنون الضرورية في حياة الناس اليوم، لأنه يرد ويجيب عن مشكلات وقضايا مستجدة وعويصة نزلت بالناس وهم في أمس الحاجة لمعرفة الحكم الشرعي فيها.
ومن المعلوم أن الناس لم يكونوا علماء كلهم لا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الصحابة والتابعين والأئمة المرضيين، ولقد أمر الله الجاهل أن يسأل العالم عن الحكم فيما ينزل به من قضايا وواقعات، قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [2] .
إذًا يهدف فقه النوازل إلى توليد البدائل الشرعية للمشكلات المطروحة على الساحة المعاصرة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وقانونيا ...
(1) انظر مقدمة كتاب فتاوى ابن رشد: 1/ 8 و 34.
(2) سورة النحل: 43.