فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 66

قرون، ولو أنهم عاشوا عصرنا اليوم، وعانوا ما عانينا، لرجعوا عن كثير من أقوالهم، وغيروا كثيرًا من اجتهاداتهم، لأنها قيلت لزمانهم، وليس لزماننا" [1] ."

فلا يجوز للمجتهد أن يتغافل عن روح العصر وحاجاته الذي تغير فيه كل شيء، بعد عصر الانقلاب الصناعي، ثم عصر التقدم التكنولوجي، عصر غزو الكواكب و"الكمبيوتر"وثورة البيولوجيا التي تكاد تغير مستقبل الإنسان؟!!.

ولمسايرة هذا التطور فلا مانع من أن نقتبس من أنظمة الشرق أو الغرب، ما لا يخالف عقيدتنا وشريعتنا، مما يحقق المصلحة لمجتمعنا، على أن نصبغه بصبغتنا، ونضفي عليه من روحنا، حتى يغدو جزءًا من نظامنا، ويفقد جنسيته الأولى، كما رأينا ذلك فيهما اقتبسه المسلمون في العصور الذهبية من الأمم الأخرى [2] .

ففي الوقت الذي ندعو فيه إلى مراعاة أحوال التطور وروح العصر والترحيب بالجديد النافع فإنه ينبغي أن نحذر من الوقوع تحت ضغط الواقع القائم في مجتمعاتنا المعاصرة وهو واقع لم يصنعه الإسلام بعقيدته وشريعته وأخلاقه، ولم يصنعه المسلمون بإرادتهم وعقولهم وأيديهم، إنما هو واقع صنع لهم، وفرض عليهم، في زمن غفلة وضعف وتفكك منهم، وزمن قوة ويقظة وتمكن من عدوهم المستعمر، فلم يملكوا أيامها أن يغيروه أو يتخلصوا منه، ثم ورثه الأبناء من الآباء، والأحفاد من الأجداد، وبقي الأمر كما كان.

فليس معنى الاجتهاد أن نحاول تبرير هذا الواقع على ما به، وجر النصوص من تلابيبها لتأييده، وافتعال الفتاوى لإضفاء الشرعية على وجوده، والاعتراف بنسبه مع أنه دعي زنيم.

إن الله جعلنا أمة وسطًا لنكون شهداء على الناس، ولم يرض لنا أن نكون ذيلًا لغيرنا من الأمم، فلا يسوغ لنا أن نلغي تميزنا ونتبع سنن من قبلنا شبرًا بشبر وذراعًا بذراع.

وأدهى من ذلك أن نحاول تبرير هذا وتجويزه بأسانيد شرعية، أي أننا نحاول الخروج على الشرع بمستندات من الشرع، وهذا غير مقبول [3] .

المطلب الرابع: منهج دراسة فقه النوازل:

بعد أن عرفنا الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يتصدى للحكم في النوازل: فيما يلي بيان

(1) الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط ص 96.

(2) المرجع السابق ص 95.

(3) انظر الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط ص 92 - 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت