المطلب الأول: شروط المتصدر للفتوى في النوازل:
من الضرورة أن يكون في الأمة عدد من العلماء المجتهدين الذين نسميهم: بالعالم النوازلي أو الفقيه النوازلي أو المجتهد النوازلي، الذي إلى جانب توافر شروط الاجتهاد فيه -والتي سوف أذكرها بعد قليل- يجب أن يكون ملما بأمور أخرى مهمة أصبحت ضرورية خاصة في هذا العصر بحوادثه المعقدة والمتشابكة، منها فهمه واقع عصره واستيعابه للتكنولوجيا التي ما فتأت تتطور وترتقي.
وليس كل أحد يصلح للفتوى والاجتهاد بل لا بد من توافر شروط معينة فيمن يتصدى للاجتهاد:"قال مالك وجاء رجل ابن هرمز فأرسل بعض السلاطين يستشيره في الفتوى فسأله: أتراني أهلا لذلك؟ قال:"إن كنت عند الناس كذلك ورأوك أهلا لذلك فباشر"."
قال محمد بن رشد: زاد في هذه الحكاية في كتاب الأقضية أنه قال له: إن رأيت نفسك أهلا لذلك ورآك الناس أهلا لذلك فافعل. وهي زيادة صحيحة لأنه هو أعرف بنفسه، فإن لم ير نفسه أهلا لذلك فلا ينبغي له أن يفعل وإن رآه الناس أهلا لذلك، وأما إذا لم يره الناس أهلا لذلك فلا ينبغي أن يفتي وإن رأى هو نفسه أهلا لذلك، لأنه قد يغلط فيما يعتقده في نفسه من أنه أهل لذلك، ولا حرج عليه إن فعل إذا علم من نفسه أنه قد كملت له آلات الاجتهاد بأن يكون عالما بالقرآن وبالسنة، مميزا بين صحيحها وسقيمها، عالما بأقوال العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء الأمصار وما اتفقوا عليه وما اختلفوا فيه من أهل النظر والاجتهاد بصيرا بوجه القياس عارفا بوضع الأدلة في مواضعها، ويكون عنده من علم اللسان ما يفهم به معاني الكلام فإذا اجتمعت فيه هذه الخصال مع العدالة والخير والدين صح استفتاؤه فيما ينزل من الأحكام وجاز للعاصي تقليده فيها" [1] ."
إذا لابد أن تتوافر في المجتهد الذي يبحث في حكم النوازل شروط الاجتهاد المطلوبة في العلماء المجتهدين لأنه لا يتأتى اجتهاد بدون آلته، وحتى لا تتعثر الاجتهادات وتحيد عن أمر الله تعالى إذ لا يمكن فهم مقاصد الشرع في الكتاب الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بها.
(1) البيان والتحصيل: لابن رشد 17/ 339.