في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل وكانت جنايته على الدين أعظم من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضر ما على أديان الناس وأبدانهم والله المستعان [1] .
ولقد عرف العلماء الضرورة:"ما يترتب على عدم مراعاتها خطر أو ضرر شديد محقق كالموت جوعًا".
أما الحاجة:"فهي ما يترتب على تركها مشقة وحرج أو عسر وصعوبة".
من أهم المبادئ التي تقوم عليها الشريعة الإسلامية والتي ينبغي للمجتهد في النوازل مراعاتها والاهتمام بها، موضوع الضرورات والحاجة والظروف الاستثنائية التي قد تعترض الناس في حياتهم اليومية، وقد شرعت الشريعة الإسلامية أحكامًا استثنائية مناسبة لتلك الحالات وفقًا لاتجاه الشريعة العام في التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم، ولكونها شريعة تهتم بالواقع البشري.
ولقد استثنت حالات الضرورة في كثير من تشريعاتها، حتى يبقى المكلف دائمًا داخل إطار الشريعة في كل أعماله [2] .
ومن الأدلة على مراعاة الشريعة للضرورة قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [البقرة: 173] .
وقوله سبحانه: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) [الأنعام: 119]
وعن سمرة بن جندب قال صلى الله عليه وسلم:"يجزئ من الضرورة صبوح أو غبوق" [3] .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"ومن استقرأ الشريعة في مواردها ومصادرها وجدها مبنية على قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) [البقرة: 173] ، وقوله: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [المائدة: 3] ، فكل ما احتاج الناس إليه في"
(1) المرجع السابق 3/ 78.
(2) نظرية الضرورة الشرعية: جميل محمد بن مبارك ص 31.
(3) أخرجه الحاكم في مستدركه كتاب الأطعمة 4/ 125، والبيهقي في سننه (19422) 9/ 356، ومعنى الحديث: أي إنما يحل للمضر من الميتة أن يأكل منها ما يسد الرمق غداء أو عشاء وليس له أن يجمع بينهما (النهاية في غريب الأثر 3/ 83) .