فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 66

الشريفة القدر بإرضاع ولدها، ويقصد بالطعام الذي يحرم في الربا البُر، كما يخصص القياس، ويترك النص المذهبي بالعرف الخاص المعارض له، فيحكم بطهارة خرء الحمام في المسجد، وتصح الإجارة المشروطة بشرط متعارف عليه ... [1] .

ولهذا قال العلماء: العادة محكمة، والثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي، وقالوا أيضًا: كل ما ورد به الشرع مطلقًا ولا ضابط له فيه ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف [2] ، والإمام مالك بنى كثيرًا من أحكامه على عمل أهل المدينة، والشافعي لما نزل بمصر غير بعض الأحكام التي كان قد ذهب إليها وهو في العراق لتغير العرف وأصبح معروفًا في المذهب الشافعي: قال الشافعي في القديم وقال الشافعي في الجديد ... ، وفي فقه الحنفية أحكام كثيرة مبنية على العرف منها: إذا اختلف المتداعيان ولا بينة لأحدهما فالقول لمن يشهد له العرف [3] .

فعلينا ونحن نجتهد أن نعترف بما طرأ على حياتنا من تغيرات في الأفكار والأعراف والعلاقات والسلوك، وأن نقدر ظروف العصر وضروراته، وما عمت به البلوى، وأن نطبِّق على الواقع ما قرره علماؤنا من تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والعرف والحال [4] .

ورحم الله ابن أبي زيد القيرواني صاحب"الرسالة"المشهورة في الفقه المالكي، حيث كان يسكن في أطراف المدينة، فاتخذ كلبا للحراسة فقيل له. كيف تفعل ذلك ومالك يكرهه؟ فقال: لو كان مالك في زماننا لاتخذ أسدًا ضاريًا! [5] .

يقول ابن القيم الجوزية:"تتغير الفتوى لتغير العرف والعادة [6] ."

ثم نقل رحمه الله قول المالكية في العرف حيث قال:"قالوا: وعلى هذا أبدًا تجيء الفتاوى في طول الأيام، فمهما تجدد في العرف فاعتبره ومهما سقط فألغه ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك، وسله عن عرف بلده فأجره عليه وأفته به، دون عرف بلدك المذكور في كتبك، قالوا: فهذا هو الحق الواضح والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين، قالوا: وعلى هذه القاعدة تخرج أيمان الطلاق والعتاق وصيغ الصرائح والكنايات، فقد يصير الصحيح كناية يفتقر إلى النية، وقد تصير الكناية صريحًا تستغني عن النية."

ثم عقب ابن القيم على هذا بما يلي:"وهذا محض الفقه، ومن أفتى الناس بمجرد المنقول"

(1) سبل الاستفادة من النوازل والفتاوى والعمل الفقهي في التطبيقات المعاصر، ص 49.

(2) الأشباه والنظائر: للسيوطي 1/ 98، حواشي الشرواني 2/ 397، الإقناع 24/ 284، المغني 4/ 18، التمهيد للإسنوي 1/ 230.

(3) التلقين 2/ 433، الإنصاف 9/ 383.

(4) الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط ص 96.

(5) كفاية الطالب الرباني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني: لأبي الحسن المالكي 2/ 648.

(6) إعلام الموقعين 3/ 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت