قال ابن عبد البر:"لا يكون فقيهًا في الحادث ما لم يكن عالمًا بالماضي" [1] .
وكم من المسائل والقضايا يظنها الباحث جديدة حادثة فتبين بعد البحث والتنقيب أنها ليست كذلك.
فلا اجتهاد في أي قضية من القضايا إلا بعد استفراغ الوسع: وذلك بأن يبذل المجتهد أقصى ما في وسعه في تتبع الأدلة والبحث عنها في مظانّها وبيان منزلتها، والموازنة بينها إذا تعارضت بالاستفادة مما وضعه علماء الأصول من قواعد التعادل والترجيح [2] .
والتسرع في إبداء الحكم وعدم التثبت والتروي في النازلة مما يوقع المجتهد في الخطأ.
وإذا كانت النازلة غامضة أو غير مفهومة أولم يعلم الفقيه حكمها فإنه لا يحل له التسرع في إبداء الرأي فيها، بل لابد من سؤال أقرانه وطلب مساعدتهم للوصول إلى الحق، ومتى أقدم على الفتوى وهو غير عالم فقد تعرض لعقوبة الله ودخل تحت قوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [الأعراف: 33]
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من أفتي بغير علم فإن إثمه على من أفتاه" [3] ، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال:"من أفتى بفتيا وهو يعمى عنها كان إثمها عليه" [4] .
إن الفتاوى تختلف في وزنها فمنها ما لا يحتاج إلا قليل من التدبر، وهي الفتاوى المطروقة الممهدة السبيل، التي أدلتها واضحة جلية يقع عليها النظر بمجرد البحث عنها، ومنها ما يحتاج إلى تدقيق نظر وعمق بحث: لأنها تتطلب وقتًا، كما عرض للإمام مالك -رحمه الله- فإنه روي أنه قال: إني لأفكر في مسألة بضع عشرة سنة فما اتفق لي رأي إلى الآن [5] .
والمُلاَحَظ إذا توقف الإمام مالك وهو من هو في علمه وبعد نظره وسعة مداركه.
قال عبد الرحمن بن مهدي: جاء رجل إلى مالك: فسأله عن شيء فمكث أيامًا ما يجيبه، فقال: يا أبا عبد الله إني أريد الخروج، فأطرق طويلًا ورفع رأسه فقال: ما شاء الله!، يا هذا إني
(1) إيقاظ الهمم: صالح العمري، ص 33.
(2) الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط، ص 92.
(3) أخرجه أبو داود في كتاب العلم باب التوفي في الفتيا (3657) 3/ 321، وابن ماجه في أول كتاب منه باب اجتناب الرأي والقياس (53) 1/ 20، والحاكم 1/ 102.
(4) جامع بيان العلم وفضله 2/ 8، سنن الدارمي 1/ 58، إعلام الموقعين 2/ 199.
(5) الموافقات 4/ 286.