فإذا كانت المصلحة التي شرع لها الحكم دائمة لا تتغير فلا يتغير الحكم أبدًا لعدم وجود ما يقضي التغيير، وإذا ثبت أنها تتغير تبعًا لتغير الظروف والأحوال تغير الحكم معها وإلا لم تكن فائدة من شرعيته.
ومن هنا منع عمر بن الخطاب رضي الله عنه سهم المؤلفة قلوبهم بعد أن كان رسول الله عليه وسلم يعطيهم لما زال السبب [1] .
ولتحقيق مصالح الناس اختلف أسلوب التشريع ففي الأشياء التي لا تتغير مصالحها فصلها وبينها أجلى بيان كالعبادات وبعض الأنظمة المتعلقة بالأسرة من زواج وطلاق وميراث كما حدد عقوبات لبعض الجنايات التي لا تتغير مفسدتها على مر الأيام: كالقتل والزنا والسرقة وقطع الطريق والقذف.
أما الأشياء التي تتغير مصالحها أو تختلف باختلاف الأزمان كالمعاملات، وما يتعلق بالنظام الاجتماعي أتى التشريع على صفة قواعد عامة صالحة للتطبيق ليطبقها المجتهدون وأولو الأمر حسبما تقتضيه مصلحة الناس [2] .
لذا لابد على الفقيه النوازلي أن يراعي مصلحة الناس في اجتهاده في النوازل لكن شرط أن لا تتعارض مصلحتهم مع أصل شرعي أو قاعدة محكمة.
وقد ألف العلماء قديمًا وحديثا كتبا كثيرة تبين ضوابط العمل بالمصلحة لابد من مراجعتها والاستفادة منها [3] .
يقول ابن القيم:"إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها، ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضررها وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فهي ليست من الشريعة" [4] .
يقول فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي:"يجب ألا ننسى أننا في القرن الخامس عشر الهجري، لا في القرن العاشر، ولا ما قبله، وأن لنا حاجتنا ومشكلاتنا التي لم تعرض لمن قبلنا من سلف الأمة وخلفها، وأننا مطالبون بأن نجتهد لأنفسنا، لا أن يجتهد لنا قوم ماتوا قبلنا بعدة"
(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام إلى تيمية 33/ 94.
(2) انظر: المدخل إلى الفقه الإسلامي: محمود محمد الطنطاوي ص 51، والمدخل في الفقه الإسلامي: د. محمد مصطفى شلبي ص 91 - 94.
(3) يراجع: رعاية المصلحة في الشريعة الإسلامية: علي الخفيف، المصلحة أساس التشريع الإسلامي: زكريا البري (المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية) ، نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي: حسين حامد حسان (مكتبة المتنبي: القاهرة) ، ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية: محمد سعيد رمضان البوطي (مؤسسة الرسالة) ، المصلحة في التشريع الإسلامي ونجم الدين الطوفي (الأزهر، العدد 10 جمادى الأولى 1374) .
(4) إعلام الموقعين 3/ 3.