«أكثرُ القراءِ على الرَّفعِ؛ لأَنَّهم هابوا أَنْ يَجعلوا الحُورَ العِيْنَ يُطافُ بِهنَّ، فرفعوا على قولكَ: ولَهم حُورٌ عِيْنٌ، أو عندهم حُورٌ عِيْنٌ. والخَفضُ على أَن تُتْبِعَ آخرَ الكلامِ بِأَولهِ، وإِن لم يَحْسُنْ في آخرهِ ما حَسُنَ في أولهِ، أنشدني بعضُ العَربِ:
إِذا ما الغَانِياتُ بَرَزْنَ يَومًا ... وزَجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيونا [1]
فالعَيْنُ لا تُزَجَّجُ، إِنَّما تُكَحَّلُ، فردَّها على الحواجب؛ لأنَّ المعنى يُعرفُ، وأنشدني آخرُ:
ولَقيتُ زَوجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيفًا ورُمْحًا [2]
والرمحُ لا يُتقلَّدُ، فردَّه على السَّيفِ. وقال آخر:
تَسْمَعُ للأَحْشاءِ مِنهُ لَغَطا ... ولِليَدَينِ جَسْأَةً وبَدَدا [3]
وأنشدني بعضُ بَني دَبِيْر:
عَلَفْتُها تِبْنًا ومَاءً بَارِدا ... حتى شَتَتْ هَمَّالةً عَيناها [4]
والماءُ لا يُعتَلَفُ، إِنَّما يُشرَبُ، فجعله تابعًا للتبن». [5] واحتجاج الفراء لهذا الأسلوب لم يُسبق إليه - فيما أعلم، وكلُّ من أَتى بَعَدَهُ نقلَ شواهدَهُ وتوجيهه. [6] وللفراء إضافات أخرى على ما ذكره أبو عبيدة،
(1) البيت للراعي النميري، وهو في ديوانه 156، الخصائص 2/ 432.
(2) البيت لعبد الله بن الزبعرى، كما في ديوانه 32، الخصائص 2/ 431، شرح الحماسة للمرزوقي 3/ 1147.
(3) الجسأةُ: غِلظٌ في اليدِ، وهي لا تُسمَعُ. انظر: الخصائص 2/ 432.
(4) انظر: كتاب الشعر للفارسي 2/ 533، خزانة الأدب 3/ 139 وقال: «ولا يُعرفُ قائلهُ، ورأيت في حاشية نسخةٍ صحيحةٍ من الصحاح أنه لذي الرمة، ففتشت ديوانه فلم أجده فيه» .
(5) انظر: معاني القرآن 2/ 385، 3/ 117.
(6) انظر: تأويل مشكل القرآن 213، تفسير الطبري (هجر) 22/ 301 - 302، الجامع لأحكام القرآن 6/ 95، 18/ 194 - 195، 17/ 205، الخصائص 2/ 431، أمالي ابن الشجري 3/ 82.