ووجب [1] الكذب إذا كان فيه إحياء حق لا يمكن بدونه، أو إحياء نفس لا يتصور دونه، فلو كان القبح فيه لذاته لم يتغير، ولذلك قالوا: وضع الحكايات الكاذبة التي ليس لها أصل داخل في الصغائر، لكونها نوعًا من اللهو واللغو الذي قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه: إن من حسن إسلام المرأ تركه ما لا يعينه، وأما إذا تضمن ذلك منفعة فلا صير فيه، أفترى من صنف كتبًا للموعظة واضعا فيها الأمثال عن الجمادات [2] وأمثالها أو غير ذلك من الفوائد، اقترفوا كبائر يؤاخذون عليها وترد بها شهاداتهم.
قوله [إني سقيم] أراد [3] به ما داخله من الهم والحزن لإشراكهم،
(1) كما تقدم في باب الصدق والكذب من أبواب البر والصلة.
(2) ولذا قال الحريري في مبدأ مقاماته: من نقد الأشياء بعين المعقول، وأنعم النظر في مباني الأصول، نظم هذه المقامات في سلك الإفادات، وسلكها مسلك الموضوعات عن العجماوات والجمادات، ولم يسمع بمن نبا سمعه عن تلك الحكايات، أو أثم رواتها في وقت من الأوقات، ثم إذا كانت الأعمال بالنيات، وبها انعقاد العقود الدينيات، فأي حرج على من أنشا ملحًا للتنبيه لا للتمويه، وتحابها منحى التهذيب لا الأكاذيب، انتهى.
(3) هذه أجود مما قالت الشراح كما حكاه عنهم الحافظ في الفتح، إذا قال: أما إطلاقه الكذب على الأمور الثلاثة فلكونه قال قولا يعتقده السامع كذبًا، لكنه إذا حقق لم يكن كذبًا لأنه من باب المعاريض المحتملة للأمرين، فقوله: إني سقيم يحتمل أنه أراد أي سأقسم، واسم الفاعل يستعمل بمعنى المستقبل كثيراتً، ويحتمل أنه أراد إني سقيم بما قدر على من الموت، أو سقيم الحجة على الخروج معكم، وحكى النووي عن بعضهم أنه كان تأخذه الحمى في ذلك الوقت، وهو بعيد لأنه لو كان كذلك لم يكن كذبًا لا تصريحًا ولا تعريضًا، انتهى.