فيكون كله سنة، تكرار المسح وتثليثه وإفراده كلها سنة وإنما الخلاف بيننا وبين الشافعي رحمه الله تعالى في أخذ الماء الجديد هل يسن؟ قالوا نعم والعجب منهم جوزوا شرب المستعمل من الماء والتطهر به ولم يجوزوا المسح به، والعذر [1] أن الجواز لا ينكر وإنما الكلام في السنية ولا تثبت إلا بفعله صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
[قوله بما غير فضل يديه] هذا وإن كان غلطًا من الراوي كما صرح به المؤلف إلا أنه يمكن تصحيحه بحسب المعنى بأن يقال قوله فضل يديه بدل عن ما غبر أو هو فاعل لقوله غير أي بماء تركه فضل يديه وإسناد الترك إلى الفضل لا استبعاد فيه، فإن الماء لم يبق على اليد إلا لأجل كونه فاضلًا على اليد عن حاجة الغسل فإن السائل والنازل من العضو الذي وقع على الأرض كان فضلًا على القدر الضروري للغسل وترك هذا الفضل ذلك البلل ويحتمل منصوبًا بنزع الخافض أبي بماء بقى من فضل يديه على أن يكون كلمة من هذه المقدرة المنزوعة للبيان والأول أولى وأسلم [2] .
(1) يعني يمكن أن يجاب عن الشافعية بأنهم لا ينكرون الجواز إذ الماء المستعمل طاهر عندهم وإنما أنكروا السنية وهي لا تثبت إلا بفعله صلى الله عليه وسلم وثبت عنه صلى الله عليه وسلم عندهم تجديد الماء فقالوا به فتأمل ثم لا يذهب عليك أن ما حكاه الترمذي من مذهب الشافعي يخالف المشهور من مذهبه، وفي السعاية أن التثليث هو قول الشافعي على ما حكاه النووي وابن حجر وغيرهما، وهو المشهور في كتب مذهبه لكن عده الترمذي ممن رأوا المسح مرة واحدة ونقل العيني عن النووي أنه قال لا أعلم أحدًا من أصحابنا حكى هذا عن الشافعي لكن حكاه الرافعي وجهًا لأصحابنا، انتهى.
(2) قلت: هذا باعتبار اللفظ وأما باعتبار الفقه فالمشهور على الألسن أن حديث عمرو بن الحارث حجة على الحنفية إذ قالوا بجواز المسح بالبلة الباقية على اليدين بعد غسل اليدين قال الحلبي: لو توضأ ومسح ببلة بقيت على كفيه بعد الغسل يجوز مسحه لأن البلة الباقية بعد الغسل غير مستعملة إذ المستعملة فيه ما سال على العضو وانفصل عنه ولو مسح رأسه ثم مسح خفيه ببلة بقيت بعد المسح لا يجوز مسحه على الخف لأن البلة الباقية بعد المسح مستعملة لأن المستعمل فيه ما أصاب الممسوح، انتهى.
وأنت خبير بأن الحديث لا ينافي قولهم لأنهم لا ينكرون جواز المسح بالماء الجديد بل قالوا بجواز الأمرين معًا قال القارئ: وفي الحديث أنه عمل بأحد الجائزين عندنا، انتهى، قال النووي معناه أنه مسح الرأس بماء جديد لا ببقية من ماء يديه ولا يستدل بهذا على أن الماء المستعمل لا تصح الطهارة به لأن هذا إخبار عن الإتيان بماء جديد للرأس ولا يلزم من ذلك اشتراطه انتهى، على أن أصحية رواية عمرو عند المصنف لا يستلزم أن يكون رواية ابن لهيعة غير صحيح عنده فضلًا عند غيره لا سيما إذ هي مؤيدة بعدة روايات فقد أخرج أبو داؤد من حديث الربيع أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه من فضل كان في يده وسكت عليه فهو صالح للاحتجاج، قال الحافظ وروى الدارقطني والبيهقي بلفظ (( مسح رأسه بماء فضل في يديه ) )وفي رواية (( ببلل في يده ) )وإسناده حسن، انتهى، وقال ابن قدامة في المغنى: روى عن علي وابن عمر وأبي أمامة فيمن نسى مسح رأسه إذا وجد بللًا في لحيته أجزأه أن يمسح رأسه بذلك البلل، انتهى.