فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 129

وهذه الحقيقة ماثلة للعينين في كل مكان، يراها المرء في نفسه وفي غيره، فليس كل من يقتنع بأن هذا الشيء حرام يبتعد عنه، ولا كل من يعرف الواجب يأتيه. فكم من حرام يرتكبه المرء وهو يعلم حرمته، وكم من واجبٍ لا يقوم به المرء وهو يستطيع فعله.

فالقناعة العقلية بالشيء لا تكفي للالتزام به، وثابتٌ شرعا وتاريخا وواقعا أن الذين كذبوا الرسل وحاربوهم فعلوا هذا وهم يعلمون أنهم رسل الله إليهم.

فرعون كان يعلم أن موسى رسولا من عند الله ولم يؤمن به ولم يتبعه، قال تعالى ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) [النمل: 14] ، وقال تعالى على لسان موسى وهو يخاطب فرعون: ( قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا ) [الإسراء: 102] ؛ ويهود كانت تعلم حقيقة المسيح -عليه السلام- ومع ذلك حاربته وعذبته، ورمته بما ليس فيه، وسعت في قتله، وكادت، لولا أن رفعه الله إليه، وكانت يهود تعلم حقيقة رسول الله محمد بن عبد الله ( ولم تؤمن به.

والقرآن يحدثنا أن الخلاف بين بني إسرائيل حدث بعد العلم لا قبله، قال تعالى ( وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ) [آل عمران: 19] هذه الآية جملتان، الأولى خبرية ( وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ ( تفيد بأسلوب الحصر والقصر بأنهم تفرقوا فقط بعد أن جاءهم العلم، والجملة الثانية تعليلية، تعلل هذا الخبر ( بَغْيًا بَيْنَهُمْ ( أي ليس جهلا وتكذيبا وإنما بغيا وحسدا من عند أنفسهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت