الصفحة 135 من 323

فهو رجل يَمَنِيُّ الموطن، كِنْدي العشيرة، قضى شطرًا غير يسير من حياته في الجاهلية، فلما أشرقت الجزيرة العربية بنور الهداية، ونفذت أشعة الإسلام إلى أرض اليمن، كان شريح من أوائل المؤمنين بالله ورسوله، المستجيبين لدعوة الفضيلة والحق، وكان عارفو فضله، ومقدرو شمائله ومزاياه, يأسون عليه أشد الأسى، ويتمنّون أن لو أتيح له أن يفِدَ على المدينة مبكرًا ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى، ولينهل من موارده الصافية المصفاة مباشرة بلا واسطة، ولكي يحظى بشرف الصحبة بعد أن حظي بنعمة الإيمان، وبذلك يجمع الخير من أطرافه، ولكن ما قدر الله كان.

إذًا: ليس شريحٌ صحابيًا، لقد عاش في الجاهلية، وأسلم حينما جاء النبي بدعوته، ولكنه لم ينتقل من اليمن إلى المدينة إلا بعد أن توفى الله النبي عليه الصلاة والسلام، إذًا: هو ليس صحابيًا، ولكنه عاش الجاهلية، وعاش الإسلام.

كم هي المدة التي قضاها شريح في مجلس القضاء, ومتى استقال عن هذا المنصب, وكم مكث في الحياة الدنيا؟

قضى القاضي شريح بين المسلمين أكثر من ستين عامًا، ويكاد يكون هذا الاسم من الأسماء المتألقة في سماء القضاء الإسلامي، لشدة ورعه، وحرصه على إنفاذ أمر الله، وتوِّخيه العدالة التامة، فقد تَعَاقَبَ على إقراره على منصبه كل من عمرَ بن الخطاب, وعثمانَ بن عفان، وعليِّ بن أبي طالب، ومعاويةَ بن أبي سفيان رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، كلُّ هؤلاء الخلفاء أقرُّوه في منصبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت