الصفحة 228 من 323

كنتُ مرة في مكان جميل، فرأيت بيتًا جميلًا جدًا، والمهندس الذي صممه على مستوى عالٍ جدًا من الذوق، والأناقة، والإبداع، قلت في نفسي: لو أن هذا البيت لك، وسكنت فيه، وتمَتَّعْتَ بهذه المناظر الجميلة يوم بعد يوم، إلى أن يأتي الأجل، ثم تذهبي إلى الله مفلسة، أمّا إذا جلست في المدينة، وعملت الأعمال الصالحة، وتأتي عند الله عز وجل لعله يرحمك بهذه الأعمال، فالإنسان لا يستمرئ النعيم في الدنيا إلاّ إذا كان ضيق الأفق، ضعيف العقل، فحينئذ يستمرئ نعيم الدنيا لأنه مؤقت، دققوا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( يا أيها الناس, إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ودار ترح لا دار فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشدة، ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى، والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ويبتلي ليجزي، فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها، واحذروا لذيذ عاجلها لكربة أجلها، ولا تسعَوْا في عمران دار قد قضى الله خرابها، ولا تواصلوها وقد أراد منكم اجتنابها، فتكونوا لسخطه متعرضين، ولعقوبته مستحقين ) ).

فهذا فروخ رغم أن البيت في المدينة، والزوجة كاملة وصالحة، وحياة مريحة، ومعه ثروة طائلة، على الرغم من كل هذه الشروط الرائعة التي توافرت له، بعد أن أعتقه سيده، وبعد أن أبلى بلاءً حسنًا في القتال، وتلك الزوجة الصالحة، على كل ما حباها الله من كل كريم الشمائل، وجليل الخصائل, لم يستطِع أن يغلب فروخًا على حنينه إلى خوض المعارك، وإنّ خوض المعارك فيه رقيّ، وأضرب مثلًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت