الصفحة 253 من 323

قال: فلم يمضِ على مصرع سعيد بن جبير غير خمسة عشر يومًا, حتى حمَّ الحجاج، واشتدت عليه وطأةُ المرض، فكان يغفو ساعة ويفيق أخرى، فإذا غفا غفوة, استيقظ مذعورًا, وهو يصيح: هذا سعيد بن جبير آخذ بخناقي، هذا سعيد بن جبير، يقول: فيمَ قتلتني؟ ثم يبكي، ويقول: مالي ولسعيد جبير، ردّوا عني سعيد بن جبير.

فلما قضى نحبه، وورِي في ترابه، رآهم بعضهم في الحلم، فقال له: ما فعل الله بك فيمن قتلتهم يا حجاج؟ قال: قتلني اللهُ بكل امرئ قتلة واحدة، وقتلني بسعيد بن جبير سبعين قتلة )) .

* ما هي الاستنباطات التي نحصيها من هذه القصة؟

هناك استنباطات كثيرة، لكن دائمًا العلم يجب أن يُنَحَّى عن المعترك الأرضي، هذا أكمل شيء له، وإلا نكون قد ضيَّعنا الدعوةَ إلى الله عز وجل.

الشيء الثاني: العبرة بهذه الجنة التي عرضها السموات والأرض، هذه لمَن كانوا على منهج الله، لمَن كانوا على سنّة رسوله، لمَن كانوا على الحق، والعبرة أن الإنسان بعد الموت يدفع الثمن باهظًا، وهذه القصة مؤلمة، وتضفي على المجلس بعض الحزن، لكن الحياة دار ابتلاء، ودار سعي، ودار امتحان، فعلى الإنسان أنْ يكون على منهج الله سائرًا، والحياةُ الدنيا لا قيمة لها، والجرأة قلَّ مثيلُها بين الناس، إنسان متمكن، وأعصابه قوية، يُدْلِي بالحُجّة، ويقول الحق دون خوف ووَجلٍ، ودون ارتباك وتردد، هذا من آثار الإيمان، لأن المؤمن حياته الدنيا يراها مؤقتة، والآخرة هي الحياة الحقيقية، والدليل قوله سبحانه وتعالى:

{يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}

[سورة الفجر الآية: 24]

هذا معنى الحياة الأساسية، حياة الآخرة، فأنا أقول: هنيئًا لمَن كان على الحق، ولتكن نهاية حياته ما تكون، لأن العبرة بهذا الأبد المديد الذي لا ينتهي، حيثُ يحكم فيه ملِكٌ عادل، والدنيا عرض حاضر، يأكل منه البَرُّ والفاجر، والآخرة وعدٌ صادقٌ، يحكم فيه مَلِكٌ عادلٌ.

والحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت