وقد كنت مرَّةً في قرية جبليَّة فيها فواكه نادرة، وزرتها اسْتجمامًا لأسبوع، وأنا في الطريق أتنزَّه, فإذا بأحد أصحاب البساتين يشير إليّ، وقال: تفضَّل، فما فهمْتُ منه شيئًا، وتوهَّمْت أنه يريد مساعدة في شيء، فتقدَّمْتُ نحوهُ فأعطاني كمِّيَة فواكه تكفيني أسبوعًا، فاسْتغربْت، ولمَّا حدَّثتُ الناس بما جرى لي, قالوا لي: هذه عادة أهل البلدة، كلّما رأَوا ضيْفًا يعطونه من الفواكه ما تكفيه أسبوعًا أو أسبوعين، فلمَّا بخِل الإنسان بخِلَ اللهُ عليه.
مرَّةً قلت لكم: إنَّ امرأةً صالحة في بيتها شجرة ليمون، تحمل لها أربعمئة أو خمسمئة ليمونة في السنة، ولا يوجد إنسان يطرق الباب بحاجة إلى الليمون إلا وأعطتْه، وكأنّ هذه الشجرة وقفٌ للحيّ كلّه، وهذه الشجرة أعطَتْ عطاءً لِسَنواتٍ مديدة؛ عشرين أو ثلاثين سنة، والحمْل غير طبيعي، توفَّتْ المرأة الصالحة، فجاء بعدها من يطلب الليمون فطرده صاحب البيت، وبعد أسبوع يبُسَت الشجرة وماتَتْ, وعلى هذا فقِسْ، فإذا كنت كريمًا فالله تعالى أكرم، قال سيّدنا ابن عوف: (( ماذا أفعل؟ إذا كنتُ أُنفق مائة في الصباح فيُؤتيني ألفًا في المساء ) )فإذا كنت كريمًا كان الله تعالى أكرم، وإنْ تبْخل يبْخل الله عليك- فكان كلّما دخل هذا البستان يتلو قوله تعالى:
{وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا}
[سورة الكهف الآية: 39]
-أنصح أخواننا الكرام: إذا أعطاك الله شيئًا من الدنيا، ولو كان شيئًا طفيفًا, فلا تقل: هذا مِلكي، وحصَّلتُهُ من عرق جبيني، وهذا نتيجة خِبراتٍ متراكمة، هذا كلّه كلامُ شرْكٍ، ولكن قل: ما شاء الله، لا قوَّة إلا بالله-.